الإيمان .. أساس الأخلاق وجُنّتها

قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17)

ما مناسبة موضوع المقطع لمقصد السورة؟

هذا المقطع يتحدث عن المعلم الأبرز في ما يتعلق بالأخلاق، ألا وهو: حقيقة الإيمان الذي يبلغ به المرء حسن الخلق، وهذا واضح في عدد مرات ذكر لفظة الإيمان ومشتقاتها، والمناسبة لمقصد السورة: أن الإيمان واليقين الراسخان في القلب هما أساس الآداب والأخلاق، إذ أن الأخلاق الحميدة والسلوك الفاضل إذا لم يبن على إيمان راسخ فلن تكون تلك الآداب أكثر من سلوكيات ظاهرة سرعان ما تغيب حين تحضر نوازع النفس غير المهذبة بالإيمان.

فقد جاء النداء في السورة خمس مرات: يا أيها الذين آمنوا، متبوعا بأمر أو نهي متعلق بالأخلاق، وحينها لا بد أن توضح السورة حقيقة هذا الإيمان الذي خاطبنا به الله عز وجل ونادانا، فتأتي هذه الآيات للتعريف بحقيقة الإيمان وبمقتضاه، أي التعريف بالإيمان الذي يصلح لخطاب الله ويفي بشرطه.

وفي المقطع عودة للحديث عن الأعراب وبيان لسبب مثل هذه التصرفات التي تصرفوا بها في بداية السورة من إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذه الحادثة من امتنانهم عليه صلى الله عليه وسلم بإيمانهم، فالسبب في كلتا الحالتين: عدم رسوخ الإيمان في قلوبهم لينبت أخلاقا راقية، وإذا علمنا السبب علمنا الحل والحل: في رسوخ الإيمان في القلب والنفس.

وفي الآيات ملمح تربوي: وهو ذكر العلاج مع المشكلة فليس من التربية تشخيص العلة وتوبيخ العليل دون وضع للحل وخطواته وإلا أصبح المربي قاضيا.

ولم تغادر الآية إلا وقد ذكرت علامة ظاهرة للإيمان الحقيقي الذي لا يخالطه شك وريبة، وهو الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال.

ثم تحصر هذه الآيات معرفة الإيمان الحقيقي في الله وحده فهو العالم بما في صدور العالمين، ويختم المقطع بتوجيه الملامة لهؤلاء الأعراب إذ امتنوا على النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانهم، والحق أن الأحق بالمنة هو الله الذي هدانا للإيمان، ومثل هذا الشعور هو من أدلة صدق الإيمان في قلب العبد، وهذا المعنى يتكرر للمرة الثانية في سياق الحديث مع الأعراب بعد أن جاء للمرة الأولى في سياق خطاب الصحابة رضوان الله عليهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Created on .