الكلام على المقطع الثالث: أحوال الناس في مقابل الدعوة (2)

1-  ما هي دلالة الشّرط في قوله إن نفعت الذّكرى؟

المدعوّون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مقطوع بانتفاعه، وقسم مقطوع بعدم انتفاعه، وقسم محتمل. والقسم الثّاني خاصّ بمن أخبر الله بحالهم كأبي لهب وأبي جهل.

والّذي يظهر أنّ الجملة اعتراضيّة وأنّ قوله "إن نفعت الذّكرى"، توجيه للنّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ بالاستمرار في التّذكير، لأنّه لا أحد يستطيع معرفة متى تنفع الذّكرى ولا حتى هو _صلّى الله عليه وسلّم_ إلا فيما بيّن له ربّه، فإذا كان الحال ما وصفنا يتبيّن أنّ الشّرط غير مراد بذاته لأنّه متعلّق بأمر غير معلوم، فكأنّ الله يقول لنبيّه: استمرّ بالتّذكير ولا تتوقّف، فإنّك لاتدري متى تنفع الذّكرى، وهذا المعنى معنى مباشر قويّ،  ومنها قوله " وذكّر فإنّ الذّكرى تنفع المؤمنين " وهذا من مثل قوله: " فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد " ومعناها : فذكّر بالقرآن فيتذكّر من يخاف وعيد.

 ويكون المعنى: فذكّر إن نفعت الذّكرى وإن لم تنفع، واقتصر على القسم الواحد لدلالته على الثّاني.

وقد كان هذا ديدن النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ طول حياته، فقد كان لا يقطع بعدم نفع أحد، بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده وإن اشتدّ الأمر، ولا يحقّر أحداً أن يدعوه، ولا ييأس من أحد وإن اشتدّ عليه الأمر، بل إنّ الله قد نهاه عن أن تذهب نفسه حسرات عليهم، لشدّة حرصه عليهم صلّى الله عليه وسلّم.

وفي هذا أيضا إيماء إلى أنّ في القوم ناساً لن تنفعهم الذّكرى، وتجهيز للنّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ لتلقّي مثل هذا الأمر، وهذا يناسب ذكر الصّنف الثّاني في المقطع الثّالث كما سيأتي الكلام عليه.

وإيراد مثل هذه الألفاظ التي تحتمل عدّة معاني بعضها قريب يقوّيه السّياق وبعضها بعيد يشار إليه، من أعظم وجوه الإعجاز في كتاب الله فلينتبه لمثل هذا.

الكلام على المقطع الثّالث: أحوال الناس تجاه الرّسالة:

1-  ما هو وجه الإتيان بالخشية وما هو الفرق بين الخشية والخوف؟

أمثل ما قيل في الفرق بين الخوف والخشية ما أورده (الزركشيّ) في البرهان، حيث قال ما مفاده:

{أن الفرق بينهما ينحصر في أمرين:

الأوّل: أنّ الخشية أعلى من الخوف، وهي أشدّ الخوف، فإنّها مأخوذة من قولهم (شجرة خشيّة) إذا كانت يابسة وذلك فوات بالكليّة، والخوف من قولهم (ناقة خوفاء) إذا كان بها داء وذلك نقص وليس بفوات، ومن ثمّة خصّت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه "ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب".

الثّاني: أنّ الخشية تكون من عظم المخشيّ وإن كان الخاشي قويّاً، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمراً يسيراً، ويدلّ على ذلك أن الخاء والشّين والياء في تقاليبها تدلّ على العظمة. قالوا شيخ للسّيّد الكبير، والخيش لما عظم من الكتّان، والخاء والواو والفاء في تقاليبها تدلّ على الضّعف، وانظر إلى الخوف لما فيه من ضعف القوّة، وقال تعالى: "ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب". فإنّ الخوف من الله لعظمته يخشاه كلّ أحد كيف كانت حاله، وسوء الحساب ربّما لا يخافه من كان عالماً بالحساب، وحاسب نفسه قبل أن يحاسَب. وقال تعالى: "إنّما يخشى الله من عباده العلماءُ"، وقال لموسى: "لا تخف" أي لا يكون عندك من ضعف نفسك ما تخاف منه من فرعون.

فإن قيل: ورد: "يخافون ربّهم" ؟

قيل: الخاشي من الله بالنّسبة إلى عظمة الله ضعيف، فيصحّ أن يقول يخشى ربّه لعظمته، ويخاف ربّه أي لضعفه بالنّسبة إلى الله تعالى.

وفيه لطيفة وهي أنّ الله تعالى لمّا ذكر الملائكة وهم أقوياء، ذكر صفتهم بين يديه فقال: " يخافون ربّهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون"، فبيّن أنّهم عند الله ضعفاء، ولمّا ذكر المؤمنين من النّاس وهم ضعفاء لا حاجة إلى بيان ضعفهم، ذكر ما يدلّ على عظمة الله تعالى فقال: " يخشون ربهم" ،ولمّا ذكر ضعف الملائكة بالنّسبة إلى قوّة الله تعالى قال: "ربّهم من فوقهم" والمراد فوقيّة بالعظمة.}

ومن تتّبع استعمال لفظَيْ الخشية والخوف في القرآن، تبيّن له قوّة ما ذكر، فإنّ الخشية تستخدم في سياق إبراز جانب قوّة المخشيّ منه، والخوف يستخدم في سياق إبراز جانب ضعف الخائف.

وهناك من قال أنّ الخشية إنّما تكون بعلم، والخوف بغير ذلك، استناداً إلى قوله تعالى: " إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ" ويردّه قوله تعالى: " فلا تخشوهم واخشون".

2-  ما هو وجه إيراد فعل التّجنب بهذه الصّيغة ؟

الجنب والجنابة هي البعد عن الشّيء، ومنها" الجار ذو الجنب" أي الجار البعيد.

ويتجنّب على وزن (يتفعّل) وهي صيغة تدلّ على عدّة معان أبرز ما يقتضيها السّياق هو:

* التّكثير والمبالغة: فكأنّ هذا الأشقى يبالغ كثيراً في تجنّب هذه الذّكرى.

*ومنها: التّكرار في مهلة : وكأنّ هذا الأشقى يداوم على هذا التّجنّب ويصرّ عليه ويمارسه على طول هذه الفترة، لا أنّه أمر به وانقطع.

*ومنها: التّكلّف فكأنّ هذا الأشقى يحمل نفسه على هذا التّجنّب ويحرص عليه حتّى يكون له.

*ومنها: الطّلب: فكأنّ هذا الأشقى طلب الجنابة وهي البعد عن الذّكرى.

كما أنّ الإتيان بالفعل تجنّب بصيغة المضارع يدلّ على التّجدد والحدوث، فكأنّ الأشقى لا ينقطع أبداً عن تجنّب الذّكرى والابتعاد عنها.

3-  ما وجه التّعبير عن المتجنّب بالأشقى؟

إيراد الأشقى بهذه الصّيغة تدلّ على بلوغ أسفل دركات الشّقاء، وهذه الصّيغة من أدلّ الصّيغ على الزّيادة والمبالغة كما مرّ في الحديث عن صيغة الأعلى.

لاحظ مناسبة هذه الألفاظ لبعضها ولموضوع السّورة وهو تعظيم الله ( الأعلى – الأشقى – الكبرى ) كما سيأتي في وصف النّار.

وجاء بالصّلة والموصول للتّنبيه على صفة هذا الأشقى وهي دخول النّار.

4-  ما المقصود بالتّعبير " ثمّ لا يموت فيها ولا يحيى" ؟

جاء بالجملة بعد ( ثمّ ) الّتي تفيد التّراخي الرّتبي، والتّراخي الرّتبي يعني أنّ الجملة الّتي قبل ( ثمّ ) مقصودة أساساً، وأنّ ما بعدها دونها في القصد.

المعنى أنّه لا يموت فيرتاح ولا يحيا حياة طيّبة بدون عذاب، ولو أنّه جاء بـ (لا يموت فيها) بدون (ولا يحيى) لربّما احتمل المعنى أنّ العذاب الّذي سيعذّب به هذا الأشقى خفيف لا يموت منه النّاس عادة، فأتت كلمة (ولا يحيى) فحوّلت المعنى هذا التّحويل العجيب الّذي لا يدلّ إلّا على المراد منه.

وقد جاء مثل هذا المعنى في سورة طه في قوله عزّ وجلّ " إنّه من يأت ربّه مجرماً فإنّ له جهنّم لا يموت فيها ولا يحيى "

وفي هذا ردّ على من قال أنّ الإتيان بمثل هذه العبارات إنّما يراد به مراعاة الفواصل، وهذا قول بعيد، فسبحان من أعجز النّاس بمثل هذا.

5-  ما هي مناسبة ذكر الفلاح هنا؟

الفلاح نجاح المرء فيما يطمح، فقد جمع فيها جميع أنواع الخير، فهو يجمع معنيي الفوز والنّفع، وذلك هو الظّفر بالمبتغى من الخير.

6-  ما هي دلالة إيراد الفلاح بصيغة الماضي مع أنّه أمر مستقبل؟

إيراد (قد) مع الفعل الماضي يريد بها تحقّق وقوعه وإثبات ذلك، وأتى بالفعل بصيغة الماضي، مع أنّ الفلاح أمر منتظر في المستقبل، وهذا يقع كثيراً في القرآن، والقصد منه إثبات النّتيجة إثباتاً لا يخالجها أيّ شكّ، فكأنّ الأمر قد تمّ وانتهى، ومن هذا قول الرجل (هلكت) إذا صادفه أمر مهلك، مع أنّه لم يهلك بعد، إلّا إنّه لعظم هذا الأمر المخوف عبّر عن تحقّق الهلاك بالفعل الماضي.

لاحظ أيضا التّناسب بين فعلي (تجنّب) و (تزكّى)، والإتيان بهما بهذه الصّيغة الدّالّة على التّكلّف في مقابل بعضهما ومناسبتهما لجوّ السّورة العامّ المليء بالمبالغة والزّيادة، ومع مقصدها الأساسيّ في تعظيم الله تعظيماً مناسباً لقدره عزّ وجلّ.

7-  ما هو وجه التّعقيب بالصّلاة بعد التّزكية والذّكر؟

الزّكاة في اللّغة تأتي بعدّة معان: منها الطّهارة ومنها الزّيادة والنّماء ومنها: الصّلاح، وكلّها يحتملها السّياق ويناسبها ويدلّ عليها.

هذا التّعقيب فيه إرشاد عظيم: وهو أنّ الصّلاة هي علامة التّزكية الحقيقيّة للقلوب، فلا بدّ للقلب الزكيّ أن تظهر آثاره على أفعال الإنسان، وأوّل هذه الآثار وأعظمها هي الصلّاة وعلى قدر إقامتها تكون الزّكاة في قلب العبد، وعلى قدر النّقص فيها يكون النّقص في طهارة قلبه.

لاحظ أيضاً ذكر جملة (اسم ربّه) هنا والّتي تتناسب مع قوله في بداية السّورة "سبّح اسم ربّك الأعلى" ، وكيف تأتي جمل السّورة متناسبة متناسقة مع بعضها، ومناسبة لجوّ السّورة العامّ ومقصدها.

وقد رتّبت هذه الخصال الثّلاث في الآية على ترتيبها الطبيعيّ:

فأوّلاً: تأتي إزالة الشّرّ والباطل من النّفس فعبّر عنها بقوله ( تزكّى ).

ثانياً: يأتي استحضار عظمة الله ومعرفة صفاته وحكمته وعبّر عنها بقوله ( ذكر اسم ربّه ).

ثالثاً: الإقبال على طاعته وعبادته وهو المشار إليه بقوله ( فصلّى )، ثمّ يأتي بعد ذلك كلّ الأعمال الصّالحة والانتهاء عن الأعمال الخبيثة.

وذكر في هذه الأمور الثّلاثة أصول صلاح النّفس.

 

2015 01 17 17h55 13

8-  ما هو وجه ذكر التّزكية هنا ثمّ التّعقيب بإيثار الحياة الدّنيا بهذه الطّريقة؟

هذا الترّكيب السّابق يحتاج إلى وقفة ليتبيّن لنا عظمة هذا التّركيب بهذا الشّكل:

فإنّه قد ذكر الأصل والسّبب في الأوّل وهي الخشية دليل على عدم وجودها في الثّاني.

وذكر الثّمرة في الثّاني وهو الشّقاوة دليل على وجود ضدّها في الأوّل وهي السّعادة.

فاكتفى في موضع بذكر السّبب، وفي موضع بذكر الثّمرة، ولا شكّ أنّ هذا دليل حيّ على أنّ القرآن العظيم على أحسن ما يكون من البراعة في الترّكيب وبداعة التّرتيب، وكثرة العلوم م

ع الاختصار وعدم التّكرار.

9-  لمَ لم يذكر المؤْثر عليه؟

لم يذكره لأنّ الحياة الدّنيا تدلّ عليه، والمعنى أنّكم لا تتأمّلون فيما عدا حياتكم هذه ولا تتأمّلون في حياة ثانية.

وهذا الكلام ليس خاصّاً بالكفّار، بل إنّ للمؤمنين حظّاً منه على طول الدّهر، وذلك حظّ مناسب لمقدار ما يتشبّه الواحد منهم بالكفّار في إيثارهم الحياة الدّنيا.

10-  لمَ لم يقرن ( أبقى ) باللام للتّناسب مع ما سبق ( الأعلى – الأشقى – الكبرى )؟

لا حاجة لهذا في هذا الموضع فإنّ الآخرة لا يقابلها إلا شيء واحد وهو الدّنيا، فاكتفي بمثل هذه الصّيغة في التّفضيل.

11-                     ما مناسبة ذكر الصّحف وإبراهيم وموسى؟

جاء الكلام هنا على سبيل التّذييل لما سبق.

ذكر الصّحف فيه إشارة إلى الطّريق الّذي يؤدّي إلى الخشية والزّكاة ومن ثمّ الفلاح، والابتعاد عن الركون للدّنيا وإيثارها على الآخرة ومن ثمّ الشّقاء في النّار، ألا هو ما أنزل الله على أنبيائه من وحي وكتب، وهذا مناسب أيضا لذكر حفظ الرّسالة سابقاً.

وفيه أيضاً إشارة إلى أحوال النّاس السّابقين في مقابل التّذكرة، وتحذير من مسالكهم، وقد ذكر معنى مقارباً لهذا المعنى في سورة الحديد في قوله تعالى " ألم يأنِ للّذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحقّ ولا يكونوا كالّذين أوتوا الكتاب من قبلهم فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون "

وأمّا ذكر النبييّن، ففيه إشارة إلى الرّسالة الواردة في المقطع السّابق وهذا مناسب غاية المناسبة.

وأمّا الاختصاص بذكر إبراهيم وموسى دون سواهما، فإنّهما هما اللّذان كانا معروفيَن لدى المشركين يومها، فقد كانت في مكّة بقايا من دين إبراهيم، وكانت اليهود قريبين من العرب آنذاك وكانوا يعرفون عن أحوالهم أشياء فناسب ذكر موسى بعد ذلك.

كما أنّ ذكرهما خاصّة فيه تهيئة لما سينزل بعد، فإنّهما أكثر الأنبياء واتّباعاً لهداية هذه الآية بالتّذكير والاستجابة وهذا واضح لمن تتّبع أحوالهما عليهما الصّلاة والسّلام.

وفيه مناسبة لموضوع السّورة وهو تعظيم الله وهذا ظاهر في سيرة النّبييّن كليهما.

Map Shot 1

  • Created on .