مسألة التمذهب

أحمد سالم

مسألة التمذهب

هذه المسألة مما شغل به طلبة العلم أنفسهم بين مؤيد ومانع،وهي عندنا كمسألة المتون = مسألة صناعية في المفاضلة بين وسائل الطلب ،ليست مسألة سمعية شرعية،وليس فيها رأي قاطع،وليست مما يوجب تطويل الخلاف.

تحرير محل النزاع :

محل النزاع في التمذهب هو التمذهب المدرسي الذي يستعان به على ضبط مسائل الفقه ..صورها وأحكامها وأدلتها والخلاف حولها،وهذا التمذهب وسيلة من وسائل تعلم الفقه الذي هو العلم المعين،ويسير فيه الطالب وفق المذهب لأجل الدراسة،وقد يسير في تعبده على المذهب إن كان مترجحاً عنده،وقد يغادره إن ترجح عنده غيره،مستعملاً في كل ذلك رتبة الاجتهاد التي وصل إليها ..

فإذا تقرر ذلك فمن المقررين لمناهج الطلب من لا يرى وسيلة أحسن من التمذهب لتحصيل هذا الضبط،ومنهم من يرى أن الكتب المعاصرة المنسوجة على طريقة ذكر المسألة وحجتها من غير التقيد بمذهب = أرجح وأحسن..

والذي أراه : أن ما في زماننا من قعود همم طلبة العلم وعدم اكتمال ملكاتهم العلمية يجعل صورة المسألة تمذهب في الحالتين؛إذ فيهما يكون الطالب أسيراً للمؤلف،ولو كانت ملكات الطلبة أحسن لرأينا لهم النظر الفقهي على طريقة السلف بتتبع المسائل وقوال الفقهاء فيها والترجيح بينها ترجيحاً تتغير صفته بترقي الطالب من غير حرج من تغير الترجيح فذلك من زيادة العلم .

فإذا كان الغالب هو ضعف ملكات الطلبة عن التفقه بتلك الطريقة العالية،وكان المآل للتمذهب وإن كان في صورة درس كتاب منسوج بطريقة فقه الدليل،والحال أن الطالب سيكون أسيراً لفهم المؤلف المعاصر للدليل = كان الأولى عندنا التمذهب على مذهب من المذاهب المتبوعة المضبوطة المخدومة بالشروح وتعاقب أنظار العلماء مع رعاية أمور :

1- عدم الاستغراق في الترقي في كتب المذهب إلا لمن سيتخصص في المذهب،أما من سيتخصص في الفقه المقارن،أو لن يتخصص في الفقه أصلاً فله صورة أخرى في الترقي يستعمل فيها كتب المذهب إلى حد معين ولا يترقى في المذهب عبر تدرجه الطبيعي؛إذ لا يحتاج إلى ذلك إلا من سيتخصص في المذهب،وسنوضح هذه النقطة عند سرد المنهج العلمي.

2- تقديم المذهب المخدوم والمتن المخدوم على غيره.وأكثر المذاهب خدمة في زماننا هو الحنبلي ويليه الشافعي فالمالكي فالحنفي.

3- إدامة استحضار أن المذهب وسيلة وليس غاية.

4- العناية بصور المسائل وضبطها ،وضبط تقسيماتها وعدم الاشتغال بالترجيح.

===

أما التمذهب بمعنى التعبد باتباع مذهب معين لا يخرج عنه المكلف في رخصه وعزائمه،لا يخرج عنه ولا يجتهد في الترجيح بينه وبين غيره،ففي هذه المسألة ثلاثة أقوال :

القول الأول : أن ذلك لا يجوز وأن على كل مكلف قدر ما من الاجتهاد في كل مسألة لابد له من استعماله بحسب استطاعته، وألا يلتزم مذهباً بعينه فيقلد فيما يجوز له فيه التقليد وفيما لا يجوز.وهذا هو المنصوص عن أحمد وهو قول الشافعي .

القول الثاني : جواز ذلك ولو على من قدر على الاجتهاد وهو قول يحكى عن محمد بن الحسن وبعض أتباع الأئمة.

القول الثالث : وجوب لزوم مذهب معين وحرمة الخروج عنه.وهو قول مبتدع حادث بعد القرن الخامس الهجري.وقال به جمهرة الفقهاء المقلدة من علماء المذاهب الأربعة.

وبعد هذا العرض المختصر ناسب هاهنا أن نُذكر بأمور لعلها تضبط لطالب العلم بعض فصول هذه المسألة :

1- لم يَدْعُ واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم أو أئمة المذاهب الأربعة = إلى تقليده فيما يقول.

2- الاطمئنان لقول عالم معين فروعاً وأصولاً كان يقع في طبقات الصحابة فمن بعدهم إلا أن ذلك كان لا ينفك عن المخالفة لهذا العالم أحياناً وملازمة غيره ومتابعته أحياناً أخرى،فالاستدلال بهذه الملازمة والمتابعة على قدم التمذهب = استدلال فاسد،وهو كالاستدلال بزهد الصحابة على التصوف،والاستدلال بمناصرة علي رضي الله عنه على التشيع،والاستدلال بالختلاف الجزئي في تفسير بعض آيات الصفات على التحريف.

3- القول بوجوب اتباع واحد من المذاهب الأربعة بحيث لا يَخرج عنه المكلف –سواء أجاز الخروج لواحد من الأربعة دون غير الأربعة أو لم يُجز الخروج عن المذهب مطلقاً- ولو ظهرت له الحجة والبينة = قول محدث مردود ،وهذا القول مع القول بغلق باب الاجتهاد كانا من أجل وأعظم أساب تخلف الأمة وقعودها ونزولها عن منزلها الذي أنزله لها الله ..

4- أما القول بجواز دون وجوب هذا التقليد = للعامي ،بحيث يقلد مذهباً واحداً في كل مسائله : فقد قال به جماهير علماء المذاهب الأربعة وهو قول مرجوح إلا أنه ليس ضعيفاً ضعف سابقه.

5- أما الراجح والله أعلم : فهو أن الاجتهاد في مسائل الدين واجب على كل أحد بحسب طاقته ،وواجب على كل واحد من المكلفين أن يكون له من النظر والسعي لتحصيل القدرة على الاستدلال ما يُمكنه،وبحسب ما استطاع من ذلك وجب عليه،فإن وقعت له مسألة لا يُطيقها اجتهاده من كل وجه أو ضاق وقته عن الاجتهاد فيها =جاز له تقليد من يثق بعلمه ودينه دون أن يُحجر عليه بواحد من المذاهب الأربعة.

6- القول بجواز تقليد واحد من المذاهب الأربعة أو غيرها فلا يخرج عنه المكلف فإنه-ولو زعم هذا المكلف أنه طلب الدلائل على مذهبه فاطمئن بها- يقودُ-غالباً- إلى التعصب فلا يكاد يُنجى منه وهذه ذريعة معتبرة يجب التنبه لها.

7- مرتبة الاتباع هي في حقيقتها من رتب التقليد إلا أنها أرفعُ قليلاً وفيها يُقلد الرجل غيره في القول وفي الاستدلال،وليس هذا مما يُخرج صاحبه من ربقة التقليد ولا عدمه مما يُذم به الرجل مطلقاً،وإنما المرجع في المدح والذم= هو : هل لهذا المكلف قدرة على أعلى من هذا فرضي بما هو دونه من غير عذر؟؟

8- التمذهب كمرحلة أو صورة من صور ومراحل الدرس الفقهي يُستعان بها على تصور مسائل الفقه أو يُسد فيها ثغر بضبط مذهب إمام معين = لا بأس به مالم يكن طلباً لدنيا محضة أو يقترن بالموالاة والمعاداة على المذهب أو يؤدي بصاحبه للتعبد أو –وتلك يغفل عنها الناس- أن يظن أن هذا التمذهب يرفع عنه واجب السعي لطلب رتبة الاجتهاد ،بحيث يتعبد وفقاً للمذهب من غير سعي هو يقدر عليه لتحرير الصواب في المسألة.

9- تقليد الأئمة الأربعة المتبوعين جائز،وكذا تقليد غيرهم من الأئمة،والقول بعدم جواز الخروج عن المذاهب الأربعة قول شاذ فاسد ضعيف .

  • Created on .