بداية الإنسان وطريقا سيره

بسم الله الرحمن الرحيم

( بداية الإنسان وطريقا سيره )

هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)

ما مناسبة هذا المقطع لمقصد السورة؟

في بداية السورة لا بد من الحديث عن بداية الإنسان لأن بداية الإنسان هي إحدى الأركان الثلاثة التي تقوم عليها السورة ألا وهي ( بداية الإنسان ونهايته والسبيل الواصل بينهما ) فناسب الحديث في بداية السورة عن بداية الإنسان، تلك البداية التي كان معها شيئا لا يذكر.

ثم تنتقل الآيت إلى الحديث عن الركن الثاني ألا وهو السبيل وبينت حال الإنسان وهو يسير في هذه السبيل والغرض من هذا السير ألا وهو الابتلاء، فالغاية التي سلك الله به هذا الطريق هو اختباره بعد أن أعطاه ما يلزم ليميز السبيل الصحيح ليختار المضي فيه، إما سبيل الشكر وإما سبيل الكفر.

تدبر يا رعاك الله النعم الواردة في هذه المقطع : نعمة الإيجاد من العدم ونعمة الهداية ونعمة الأدوات اللازمة للاهتداء وهذه المنظومة المتكاملة بفقرتها الأخيرة التي لم تذكر بعد من أعظم النعم على الإنسان فبها عرف الإنسان سبب وجوده وإلى أين يسير وما هي علة وجوده في هذه الدنيا وما هي علة ما يتمتع به من سمع وبصر،وإن كنت تحسب أن هذه النعمة إنما هي نعمة يسيرة، فاسمع ما قال شاعر القوم في قصيدة سماها ( الطلاسم ) لتعرف نعمة الله عليك :

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت 
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت 
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت 
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ 
لست أدري! 

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود 
هل أنا حرّ طليق أم أسير في قيود 
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود 
أتمنّى أنّني أدري ولكن... 
لست أدري! 

وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟ 
هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور 
أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير 
أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟ 
لست أدري! 

ليت شعري وأنا عالم الغيب الأمين 
أتراني كنت أدري أنّني فيه دفين 
وبأنّي سوف أبدو وبأنّي سأكون 
أم تراني كنت لا أدرك شيئا؟ 
لست أدري! 

أتراني قبلما أصبحت إنسانا سويّا 
أتراني كنت محوا أم تراني كنت شيّا 
ألهذا اللّغو حلّ أم سيبقى أبديّا 
لست أدري... ولماذا لست أدري؟ 
لست أدري!

فأي نعمة تعادل نعمة أن يعرف الإنسان سبب وجوده في هذه الحياة الدنيا، وما هي سبب النعم التي يتقلب بها، وإلى أين يسير، وما هي حقيقة الدنيا وحقيقة الوجود.

ليس هذا فحسب بل إن الإنسان إذا عرف هوان أصله ترك الاستكبار والغرور والنسيان الذي يصيبه حال استغراقه باللحظة الحاضرة وما يصاحبها من قوة وقدرة، وتذكر، وهذا ما تشير إليه السورة في نهايتها ( إن هذه تذكرة ).

ما مناسبة تخصيص السبيل الأولى بلفظ الشكر؟

ولأجل كل ما سبق من نعم – الإيجاد والهداية والسمع والبصر وهذه النهاية السعيدة التي توسعت السورة في وصفها – عقب الله بعد هذا العرض باختيار ( الشكر ) وصفا للسبيل الأول و( الكفر ) وصفا للسبيل الثاني، فمناسبة اختيار لفظة الشكر والكفر هو الإشارة إلى هذه النعم العظيمة التي سبق ذكرها وإلى النعمة الأعظم التي سيتلو ذكرها، وما في هذه الإشارة من دعوة الإنسان إلى ضرورة القيام بحق هذه النعم من الشكر، فإن لم يفعل فما هو إلا السبيل الثاني ألا وهو:

( نهاية الكافرين)

  • Created on .