كيف نناقش الأسئلة المتعلقة بالحكمة الإلهية ؟!

سلطان العميري
كيف نناقش الأسألة المتعلقة بالحكمة الإلاهية

لا شك أن الحكمة الإلهية من أكثر المجالات التي يخوض فيها المتعرضون على الدين في هذه الأزمان – وفي الأزمان القديمة – وهي من أكثر الموضوعات التي استعصت على العقل الإنساني منذ زمن بعيد .

وكثير من المشتغلين بمناقشة الشبهات حول هذه القصية يعمد مباشرة إلى مناقشة الشبهات التفصيلية المثارة حول هذا الموضوع , ولا شك أن هذه المناقشة التفصيلية مهمة جدا , ولكن الابتداء بها – فضلا عن الاقتصار عليها – يعد خللا منهجيا في معالجة هذه القضايا .

فتأسيس الإيمان بالحكمة الإلهية والتسليم للتدبير الإلهي لا بد فيه من تأسيس الأصول العقلية والوجودية التي يقوم عليها وينطلق منها , فمن لم يؤسس تلك الأصول فإن معالجته لا محالة لن تكون مجدية بالقدر الكافي .

فالكشف عن تلك الأصول لا يقل أهمية عن المناقشة التفصيلية , بل إن الاعتراضات التفصيلية لم تكثر إلا لما ضعف التقرير لتلك الأصول , وقلت معرفة الناس بها وإدراكهم لماهيتها وحقيقتها .

فالخطوة المنهجية الأولى في مواجهة الشبهات المعاصرة حول الحكمة الإلهية : تقوم على التوسع في الكشف عن الأصول الوجودية والعقلية التي توجب على العاقل أن يكون مسلما بالحكمة الإلهية وخاضعا للتدبير الرباني .

والأصول التي قوم عليها الإيمان والتسليم بالحكمة الإلهية ترجع إلى ثلاثة أصول أساسية , هي :

الأصل الأول : أن الناس لم يدركوا ذات الله تعالى , ولم يعرفوا حقيقتها , فكيف يمكنهم أن يعرفوا ما يتعلق بها من الكمال والجلال؟! فمن المعلوم في العقل أن العلم بالصفات تابع للعلم بالذات , فإذا كنا لا نعلم حقيقة ذات الله , فإننا بالضرورة لا نستطيع أن نعلم حقيقة صفات الله وكنهها .

الأصل الثاني : أن الناس لم يستطيعوا إدراك تفاصيل الكون , وعجزوا عن الإحاطة بمكوناته المتسعة, وقد تواترت مقالات العلماء التجريبيين وغيرهم في الإقرار بأن الكون ما زال مليئا بالأسرار والألغاز , وأن الإنسان مع تطوره الكبير لم يدرك إلا قدرا ضئيلا جدا منه .

فإذا عجز الناس عن الإحاطة بالكون الذي هو فعل من أفعال الله , فكيف يمكنهم أن يحيطوا علما بالخالق وبكماله وجلاله؟! فعجزهم عن البلوغ إلى ذلك أشد وأبعد وأظهر في بدائه العقول .

الأصل الثالث : أن الشخص لا يستطيع أن يحيط بكل العلوم الإنسانية , ولا يقدر على إدراكها , وإنما يعتمد في كثير من تفاصيل حياته على التسليم لأقوال الخبراء والعلماء , ويأخذ بذلك وهو مطمئن النفس ساكـن القلب , ويعد العقلاء سلوكـه هذا متـوافقا مع العـقل , ومتسقا مع الفطرة , والواقع الإنساني.

ولو أن شخصا قصد إلى الخروج عن هذا النهج , وقرر بألا يأخذ بشيء في حياته , إلا إذا علم بنفسه تفاصيل كل ما يتعلق به , لكان خارجا عن نهج العقلاء , داخلا في مسالك الجنون والسفسطة .

فإذا كان هذا هو حال المخلوق مع علم المخلوقين أمثاله , فكيف يمكن أن يكون حاله مع علم الله وكماله وحكمته؟! فإنه لا محالة سيكون أكثر عجزا عن إدراك تفاصيله , وأبعد عن الإحاطة بحكمته , وسيكون تطلبه لذلك أكثر جنونا , وأعمق في أودية السفسطة السحيقة .

إن مثل من يعترض على علم الله وحكمته في الكون , ويتطلب العلم بها كمثل رجل قرر ألا يسلم بأخذ شيء في حياته إلا بعد أن يعلم بكل تفاصيله المتعلقة به , فمرض , فلما ذهب به أبناؤه إلى الطبيب قال له : لن آخذ بأي وصف طبية تذكرها لي حتى أعلم بكل التفاصيل التي انطلقت منها في وصفك لها, فذكر له الطبيب أن طلبه هذا غير مقبول في العقل ومناف لطبيعة العلم الإنساني الخاضع للتخصصات , فرفض الانصياع لقوله وخرج من عنده , فلما قرب أبناؤه له السيارة , رفض أن يركبها حتى يعلم بكل التفاصيل التي شكلت على وفقها , فذكر له أبناؤه أن هذا غير معقول ؛ لكون يتطلب وقتا وجهدا لا يمكن توفره في ساعتهم , فرفض قبول تبريرهم وذهب إلى بيته ماشيا , فلما أراد الدخول توقف , وقال : لا يمكن أن أدخل البيت حتى أعلم بكل التفاصيل التي بني على وفقها , فذكر لها أبناؤه أن ذلك متعذر في حالتهم التي هم عليها , فرفض قبول قولهم وجلس تحت الشجرة , فلما قدم له أبناؤه الطعام والشراب , رفض أن يأكل منه شيئا حتى يعلم بكل التفاصيل المتعلقة بذلك الطعام والشرب , فذكر له أبناؤه أن تحصيل ذلك متعذر في حالتهم , فرفض قبول تبريرهم وبقي جائعا !

لا جرم أن هذا الرجل خارج عن مسالك العقلاء , وغارق في متاهات الجنون والغباء , ولن تكون نهاية حياته إلا إلى الفساد والفناء .

ومقتضى هذا التقرير أنه لا يصح في العقل ولا في المنطق أن يعترض الإنسان على أفعال الله وتدبيره للكون , ولا يحق له أن يجعل نفسه مضادا لله تعالى , وإنما غاية ما يمكن له فعله أن يتساءل عن أفعال الله, فإن عجز عن فهمها , أو إدراك حكمتها فإنه يجب عليه التسليم والإذعان لخالقه سبحانه .

فهذه المعاني الثلاث لا بد للمشتغلين بالدفاع عن الدين ضد الشبهات المعاصرة أن يسعوا إلى غرسها في قلوب الناس وعقولهم , فهي بمثابة السد المنيع الذي يقف ضد سيل الشبهات المتدفق على الحكمة الإلهية , وتعد بمثابة القاعدة الصلبة التي يمكن أن ينطلقوا منها في معالجة تلك الإشكالات , والركيزة الأساسية التي يمكن من خلالها دفع كثير من الاعتراضات .

والتفريط فيها يعد في الحقيقة تفريطا في المقدمات الأساسية التي لا يمكن أن يقوم جواب صحيح عن الحكمة الإلهية إلا بها.

  • Created on .