الرد على “الله الذي لا ينصرنا”

مصطفى لطفي

29 يونيو,2015

الرد على الله الذي لا ينصرنا 1

تنويه: الله الذي لا ينصرنا هو مقال نشر من فترة على موقع ساسة بوست وهذا هو 
رابط المقال

قبل أن أدخل في نقاش هل ينصُرنا الله أم لا ينبغي علينا أن نعرف مفهوم نصر الله لنا نحن المسلمين لأنه كما نعلم جميعًا أن الحكم على الشيء فرع من تصوره.

النصرُ عند المسلمين هو النصرُ الذي يساعد في نشر دعوة الإسلام وإعلاء راية الحق والتمكين لدين الله عز وجل سواء كان ذلك بالقتال أم بالدعوة أم بأي طريق يؤدي إلى نشر دين الله وليس مقتصرًا على النصر العسكري فقط.

ونعلم جميعًا أنه أحيانًا قد يتأخر النصر لأن الله يدخر نصرًا أكبر للمؤمنين ليبلوهم أيصبرون أم لا، أيشكّون في الطريق أم لا. ولن أسترسل في مفهوم النصر ولكنني سأنتقل إلى ما تحدث عنه الكاتب حتى نوضح ما نعتقد أنه قد اعترى مقاله من الخلل.

يقول الكاتب “إن الانتصار في المعارك لا يرتكز بشكل أساسي على قوة الإيمان أو ضعفه، ولا يرتكز حتى على مجرد الأخذ بالأسباب. بل يرتكز بشكل أساسي على براعة الخطة وعبقريتها”.

نحن لا نُشكك في أهمية الإعداد العسكري بالطبع لكن أود أن أسال سؤالًا هل معنى الكاتب من حديثه أنه قصد أن الخطة والإعداد لا بد أن يكونا أفضل من خطة وإعداد العدو حتى ننتصر أم أنه قصدَ أن تكون الخطة جيدة فنكون نحن قد أدينا ما علينا ثم يأتي النصر من عند الله؟

إن كان يقصد الأولى إذًا فما الفرق بين الأسباب التي يعتمد عليها المسلم في تحقيق النصر وبين الأسباب التي يعتمد عليها الكافر في تحقيق النصر؟ لكن من عادتنا أننا لا نتحدث عن أمر يتعلق بالإيمان أو نصر الله تبارك وتعالى إلا بدليل من كتابٍ وسُنة.

فنحن لن نقول هل ينتصر المسلمون بالإيمان أم بالخطة أم بكليهما معًا ولكن سنعود إلى القرآن كيف تحدث الله عز وجل عن الأمر لأن الله عز وجل هو من خلق الكون وسنّ سننه فهو من سنّ سنة النصر وأوضح كيف ومتى ننتصر وكيف ومتى ننهزم.

قال الله عز وجل (يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقال أيضًا (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ).

الناظر المتأمل في الآية الأولى يجد الله عز وجل في حديثه للمؤمنين يبين لهم ماذا ينبغي عليهم أن يفعلوا إذا واجهوا العدو فمن البديهي أن يقول لهم “فَاثْبُتُواْ” لكن إن كان الأمر مجرد أسباب دنيوية بحتة ولا علاقة له بالإيمان لماذا يقول الله عز وجل لهم(وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا).

أيقول الله عز وجل لهم اذكروا الله في الحرب! لماذا؟ لأن ذكر الله عز وجل والإيمان به شديد الصلة بتحقيق النصر على الأعداء وليس كما يدعي البعض أن قوة الإيمان وضعفه لا تؤثر في المعركة أو أنها أمر ثانويٌ فقط.

وفي الآية الثانية يقول لهم إن (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِبأنه سوف ينصرهم ويمكن لهم في الأرض. لماذا لم يقل الله عز وجل بأنه وعد الذين أعدوا العدة ورسموا الخطط هم من سيمكن لهم في الأرض إن كان الأمر دنيويًا بحتًا؟

وفي هذا أيضًا دليل على أن الإيمان بالله عز وجل والعمل الصالح من أسباب التمكين للمسلمين في الأرض وتُثبت هي الأخرى أن الإيمان ليس من الأمور الثانوية التي لا تضر ولا تنفع إلا بالقليل.

ثم في الآية الثالثة يقول الله عز وجل (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) إن كان الأمر دنيويًا لماذا لم يقل الله عز وجل أعدوا لهم أفضل مما أعدوا هم (الأعداء) من القوة ومن رباط الخيل حتى تحققوا النصر؟

إنما جعل الله عز وجل الأمر هنا قدر الاستطاعة فالمؤمن المتوكل على الله يأخذ بالأسباب كافة ويضع الخطط المُحكمة ولا يُقصرُ في أي وجهٍ من الوجوه التي قد تكون سببًا في تحقيق النصر، لكن ليس شرطًا في تحقيق النصر أن يكون جيش المسلمين وقائدهم أفضل من جيش العدو وقائدهم حتى يتحقق النصر.

إنما الشرط أن يستنفذ المسلمون كل السبل من أجل تحقيق النصر وأن يقدموا أفضل شيء يستطيعون تقديمه من السبل المادية ففي هذه الحالة حتى وإن كان جيش المسلمين أضعف من جيش العدو فسوف يتحقق النصر أيضًا.

وقال الكاتب مبرهنًا على كلامِه السابق أن خالد بن الوليد رضي الله عنه انتصر بالجيش ولم ينتصر به خالد بن سعيد والإيمان كان موجودًا في الجيشين ولكن المتغير كان خالد بن الوليد واستنتج من هذا أيضًا أن النصر لا يرتكز على الإيمان وإنما يرتكزعلى القائد في المعركة.

ويكون الرد على ذلك من وجهين:

1-    أن الله عز وجل قد جعل الإعداد للجهاد يكون قدر الاستطاعة ويمكن أن يكون سيدنا خالد بن سعيد قد قصر في ذلك فلم يحقق شرط قول الله عز وجل َأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ).

فلما جاء بعد ذلك خالد بن الوليد وحقق أقصى قدر من الاستطاعة يملكه المسلمون تحقق لهم النصر. لكن ليس شرطًا كما أسلفنا أن يتفوق هذا القدر الذي أعده المسلمون على القدر الذي أعده العدو حتى ننتصر لكن المهم أن يكون هذا أقصى استطاعتنا.

2-    أن يكون الله عز وجل قد أخرالنصر حتى يبتلي المؤمنين ويحفزهم ويختبرهم هل يصبرون أم يجزعون ويحفزهم حتى تعلو راية الجهاد في الأمة أكثر وأكثر وينهض من لم يشارك في الجهاد بعد ليشارك فيه ويرفع راية المسلمين عدد أكبر من أبناء الأمة فيكون الفوز العظيم لهم جميعًا في الدنيا والآخرة.

ثم يتحدث الكاتب بعد ذلك عن عزل عمر بن الخطاب لخالد بن الوليد حتى لا يُفتن الناس به

إنما أرى أن الفتنة التي قصدها عمر، هي اعتماد الناس التام على خالد وقلة ثقتهم في أية قيادة أخرى. فلا يثقون بقدرتهم على النصر إلا لو كانوا تحت قيادة خالد، ويفقدونها إن كانوا تحت أية قيادة أخرى. فأراد عمر أن يخبر الناس أن النصر لا يتوقف على خالد. أراد أن يجعلهم يثقون في غيره، ما داموا قد وضعوا خطة بارعة ومحكمة. أليس النصر من عند الله، فكما نصر خالدًا سينصر غيره إن اجتهد”.

والكاتب له الحق كل الحق في رأيه هذا ونحن أيضًا لنا الحق في أن نفسر الأمر كما نريد لكن سيظل الأمر من أسرار عمر التي لن نعلمها إلا إذا تحدث عمر نفسه وقال هل الإيمان سبب النصر وأنه عزل خالدًا حتى يتيقن المسلمون من أن الإيمان سبب النصر أم أنه قد عزله حتى يضعوا ثقتهم بقائد آخر.

وقبل أن أنتقل إلى كلام عمر رضي الله عنه أريدك أن تقرأ جزءًا آخر من كلام الكاتب حين قال “المعصية العادية كالتعلق بشهوة من شهوات الدنيا، لا تقرب نصرًا ولا تبعده”.

ثم نجد عمر في رسالته إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما يقول “إني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف من عدوهم. إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا عليهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان الفضل لهم علينا في القوة”.

وأيضًا من أقوال عمر التي تستوقفني كلما مررت عليها قوله حين أتاه الرسول من قائد المعركة يبشره بالنصر:

سأله عمر بن الخطاب متى بدأ القتال؟!

فقال قبل الضّحى

فقال متى كان النّصر؟!

فقال قبل المغرب

فبكى سيدنا عمر حتى ابتلت لحيته .

فقالوا يا أمير المؤمنين نبشرك بالنصر فتبكي !

فقال رضي الله عنه: والله إنّ الباطل لا يصمد أمام الحق طوال هذا الوقت إلا بذنب أذنبتموه أنتم أو أذنبته أنا”. وأضاف قائلًا: نحن أمّة لا تنتصر بالعدة والعتاد ولكن ننتصر بقلة ذنوبنا وكثرة ذنوب الأعداء فلو تساوت الذنوب لانتصروا علينا بالعدة و العتاد”.

هل اتضح الآن لماذا عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد رضي الله عنهما وهل يرى عمر أن القوة هي التي تُسبب النصر أم أن الإيمان مع الأخذ بالأسباب قدر الاستطاعة هو الذي يُسبب النصر.

ولكن حتى لا يظن الناس أن عمر كان لا يأخذ بالأسباب المادية أحب أن أوضح أن عمر الذي قال الكلام السابق هو نفسه عمر الذي كان يرسل إلى قادة الجيوش ويخبرهم من يضع من القادة  على ميمنة الجيش ومن يضع منهم على ميسرته ويناقش معهم خطة الحرب بتفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة.

ولكن عمر كان يعلم مع كل هذا أن النصر والهزيمة من عند الله وأن الإيمان ركن أساسيٌ فيها فلم يركن إلى أن الخطة جيدة أو أن الجيش مؤهل للنصر بفضل قادته وإنما كان يعلم تمام العلم أن الله عز وجل قد يُلحق بهم الهزيمة بسبب معاصيهم ويعلم أن النصر لا يأتي إلا من عند الله ولا يأتي إلا بتوفيق الله عز وجل مهما بلغت دقة الخطة وحكمتها.

وفي البداية كان الكاتب تحدث عن شخص من الأشخاص الذين كانوا يقاومون الداخلية في أحداث المنصة يقول أنه ربما جاء في ذهنه قول الله عز وجل “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى” ثم ألقى الحجارة لكن المدرعة لم يحدث لها شيء.

وتحدث متعجبًا كيف أن الله عز وجل لم ينصر هذا الشخص حتى الآن رغم أنه أخذ بالأسباب كما ظن الكاتب من أنه دعا الله عز وجل وألقى الحجارة على المدرعة وإن كان الإيمان هو الذي يسبب النصر فلماذا لم ينتصر هذا الشاب وتتحطم المدرعة.

وللرد على ذلك وجهان:

ولكن قبل أن ندخل في الإجابة الأولى أريد أن أفترض شيئًا، بما أن هذا الشاب من ضمن من كانوا في أحداث المنصة فهو من الإسلاميين وسنفترض أيضًا جدلًا كما قال الكاتب أن هذا الشاب على الحق وأنه يواجه الباطل، دعنا ننقل الآن هذا الشخص من أحداث المنصة إلى بدايات ثورة 25 يناير.

وأن هذا الشاب كان يُلقي الحجارة على المدرعة أثناء ثورة 25 يناير، من قال لك أن تحطم المدرعة كان هو النصر في ثورة 25 يناير! ألم تنهر الداخلية كلها وليس مدرعة واحدة فقط هل هذا نصر بمفهوم الكاتب! ألم يسيطروا على حكم مصر بعد ذلك هل هذا نصرٌ بمفهوم الكاتب! حسنًا ألم يشردوا ويسجنوا ويطاردوا حتى فروا من البلاد بعد ذلك؟ تخيل معي لو أن كل ذلك لم يحدث، فلم يحدث شيء للمدرعة ولم تتحطم، ولم تنهر الداخلية ولم يحدث أي شيء.

بنفس رؤية الكاتب كنا سنقول ما هذا لماذا لم ينصرهم الله عز وجل! وكنا سنكتب مقالًا طويلًا نتحدث فيها عن أن الإيمان لا علاقة له بالنصر والدليل أنهم مؤمنون ومع ذلك هزموا وهذا يثبت أن الأمر يعتمد بالأساس على القوة والإعداد الجيد والأمور الدنيوية. لكن انظر الآن بعدما حدث ما حدث في مصر أي الأمرين كان خيرًا لهم ونصرًا؟

هل ما حدث الآن وهم في السجون أو مشردون في الخارج هو النصر؟ أم حالهم الذي ظلوا عليه قرابة الثمانين عامًا هو النصر وهو أفضل لهم؟ نعم كان هناك اضطهاد لهم لكن هل الأذى الذي يتعرضون له الآن هو أقل أم أكثر؟ أي الأمرين كان خيرًا لهم ونصرًا؟

قال الله عز وجل(وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).

ولذلك فالنظر إلى النصر والهزيمة بهذه الطريقة التي تفتقد بعد النظر لا يجوز، كلها تصورات دنيوية محدودة لا ترقى إلى علم الله الواسع. أعتقد أننا لو سألنا هذا الشاب الآن لوجدناه يقول أن النصر وتأييد الله هو ألا تتحطم المدرعة وألا يحدث شيء وتظل البلاد كما كانت ويبكي خشية لله على ظنه السيء به عز وجل ويعترف بقصور فهمه وعجزه عن فهم تمام حكمة الله عز وجل وحسن تدبيره لشؤون العباد وإن بدا لهم غير ذلك.

ولكن دعنا نعد الآن بهذا الشاب إلى أحداث المنصة كما أراد الكاتب، من قال إن كانت تحطمت المدرعة واشتعلت ثورة جديدة أن هذا يعد نصرًا لهذا الشاب! ألم يكن من الممكن أن تسوء الأمور أسوأ ثم أسوأ حتى يتمنى ذلك الشاب نفسه لو أن ذلك لم يكن.

ولذلك نحن لا نستطيع أن نحكم أصلًا هل ما حدث للشاب كان نصرًا أم هزيمة، وأن أي الأمرين كان خيرًا له. من أدراك أن الله عز وجل لم يرد بمن قُتلوا في ذلك اليوم أن يُستشهدوا. هل تعتبر استشهادهم هزيمة لهم؟ إن عقل الإنسان القاصر لا يفهم مراد الله عز وجل من الأحداث ويعجز عن فهم شيء أبعد مما يراه أمام عينيه ولهذا فمن العيب أن نحكم إن هذا نصر لهم أو هزيمة وأن ندعي أن الله ينصر هذا ولا ينصر ذلك.

نحن لم نرق إلى علم الله الذي لا حدود له ولم نعلم الغيب الذي يعلمه الله حتى نقول “أيوة أيوة الولد ده ربنا نصره لأنه دمر المدرعة”. “لا لا الولد ده ربنا لم ينصره لأنهم اعتقلوه وفي واحد صاحبه مات”. والحقيقة أن الكاتب بالفعل قال هذا وقال أننا لا ندري هل نصرهم الله أم لا ولا ندري هل الشهادة يمكن أن تكون نصرًا أم لا ولكنه للأسف الشديد ذكرها حتى يقول بما أننا لم نعرف هل نصرنا الله أم لا فدعنا من أمور الذنوب والمعاصي تلك ولنركز على الإعداد الجيد فقط ونهتم بما نراه أمامنا من أمور مادية دنيوية.

لكن المسلمون لا ينبغي عليهم أن يفعلوا هذا فلا تشغلهم أمور الإعداد المادي عن ذكر الله عز وجل والإسراع في التوبة والإقلاع عن المعاصي يقينًا أن هذا مما يحقق النصر. كما أنهم بالأساس ليس عليهم أن ينتظروا النصر لأن الله عز وجل لم يطلب منا النصر إنما طلب منا الجهاد فنحن نحقق سنة الجهاد ونحقق ما أمرنا الله عز وجل به ولا ننظر إلى النتيجة هل هي نصرٌ من عند الله أم هزيمة أم ابتلاء أم غير ذلك.

فما دام المسلم يسير على طريق الله ووفق هدي نبيه صلى الله عليه وسلم لا يهم إن كانت نتيجة الجهاد نصرًا أم هزيمة لأن كل ما طالبنا به الله عز وجل هو أن نرفع راية الجهاد وليس أن نرفع راية النصر بعد الجهاد. إن الله عز وجل لا ينصر أمة بلغ عددها ملايين ومليارات من أجل أشخاص قلائل والدليل على ذلك قول الله عز وجل (قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)

هل فتح الله عليهم بسبب نبي الله موسى والرجلين اللذين يخافان الله؟ الإجابة لا، لماذا؟ لأن من سنن الله الكونية ألا يتحقق النصر للمسلمين إلا إذا كان أغلب القوم ممن يتقون الله عز وجل وليس قلة قليلة منهم. وهنا يتحقق قول الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ). فهذه القلة لن تغني عنهم وإنما حين تتغير الغالبية من الناس حينها وفقط يغير الله عز وجل واقعهم وينصرهم نصر عزيز مقتدر.

ومثال آخر على هذا هو يوم غزوة حنين ألم يُهزم المسلمون في بداية الغزوة بسبب اغترارهم بكثرتهم؟ ألم يكن بينهم محمد صلى الله عليه وسلم؟ وبالطبع فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن ممن اغتروا بسبب العدد ومع ذلك هُزم المسلمون في البداية لأن كثيرًا منهم قد اغتر بعدد الجيش ولم يُغنِ عنهم الرسول شيئًا.

هل هذا الشاب أفضل من الرسول حتى يكون هو وحده سببًا في تأييد الله ونصره ولا يكون الرسول هو وحده سببًا في تأييد الله ونصره دون النظر إلى حال بقية المسلمين!من قال إن خطة خالد كانت أفضل من خطة عدوه؟

أنا لم أر خطة عدوه ولم أعرفها ولا أستطيع أن أحكم أي الخطتين كانت أفضل ولا أستطيع أن أحكم أيضًا هل خطة قائد الأعداء نفذها جنوده بالفعل أم أن الله قد ختم على قلوبهم فأصبحوا يتيهون في أرض المعركة وقذف في قلوبهم الرعب فولوا الفرار وحقق الله عز وجل النصر للمؤمنين بسبب إيمانهم وحسن توكلهم على ربهم واتباعهم أوامره واجتنابهم نواهيه فكافأهم الله عز وجل على ذلك بالنصر من عنده حتى لو لم يكونوا أقوى من عدوهم وحققوا فقط قدر الاستطاعة.

الكاتب ظن أنه بما أن خالدًا انتصر إذًا فخطته كانت الأفضل دون أن يعلم ما هي خطة العدو – أو يعلمها لست أدري – وهل بالفعل خطة خالد هي الأفضل أم أن خطة العدو هي الأفضل.

لكن أنا أظن أن خالدًا توكل على الله حسن التوكل فعلم أن النصر والهزيمة بيد الله وأن الإيمان بالله وفعل الطاعات والبعد عن المعاصي من أهم الأسباب التي تجلب النصر لنا وأيضًا أتم إعداد الجيش قدر المستطاع ولم يفرط في الجوانب المادية وحقق قدر الاستطاعة في الإعداد ولم يتواكل على إيمان الجند فتم له النصر بغض النظر عمن كانت خطته أكثر إحكامًا خالد أم عدوه.

قال الله عز وجل (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ).

علم الله أنه منذ أن أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة إلى دين الحق أن العالم أجمع سوف ينتفض حتى يصد عن سبيل الله ويسعى جاهدًا من أجل أن يهزم الإسلام.

فهل يليق بالله عز وجل أن يترك المسلمون أمام أعدائهم هكذا بلا سند ولا شيء يمدهم به حتى يمتازوا على عدوهم وهم يحملون راية الحق أم أن الله عز وجل لا بد أن يُمدهم بقوة خاصة وبمدد لا يرقى إليه عدوهم ولا يعرفه ولا تصل إليه أسبابه المادية مهما بلغت لأنه سبحانه وتعالى يعلم أن المسلمين بمفردهم دون نصر الله وتأييده لا قبل لهم بمواجهة كل هذه الجموع الكافرة التي تسعى للانقضاض على الإسلام وأهله؟ هل يتركهم الله عز وجل في حربهم تلك إلى الأسباب المادية فقط وتكون حرب المسلم للكافر كحرب الكافر للكافر تعتمد بالأساس على الأمور المادية وعلى أن النصر لا يتحقق إلا للأقوى والأتم استعدادًا؟

النصر العسكري في الإسلام يرتكز على ركنين أساسيين لا بديل لأحدهما عن الآخر. الإيمان بالله وقد ثبت أهمية الإيمان بالله والعمل الصالح من خلال الآيات السابقة ورسالة عمر بن الخطاب التي توضح أن حتى الذنوب التي يرتكبها المسلمون قد تؤثر عليهم سلبًا في المعركة، ثم الأخذ بالأسباب في أن نُعد العُدة ونجهز الجيش ونضع الخطة وأن نستنفذ في سبيل تحقيق النصر كل السبل المادية المتاحة للمسلمين.

فإن قصر قائد ما في وجهٍ من وجوه إعداد الجيش ثم جاء قائد آخر أتم هذا النقص الذي حدث لا ينبغي أن نقول إن الايمان لا علاقة له بالنصر وإننا قد انتصرنا بفضل مهارة القائد الثاني ولكن نقول أن القائد الأول أخل بالشرط الثاني المتمثل في الأخذ بكافة الأسباب وتجهيز الجيش قدر استطاعته بالكامل فلما أتمه القائد الثاني تحقق لنا النصر من عند الله وليس من عند قائد المعركة ولا خطته المحكمة.

وحتى إن سرنا وفق رأي الكاتب، من قال إن خالد بن الوليد رضي الله عنه الذي لم يكن يعرف سوى الحروب القبلية لديه خبرة ومعرفة بالقتال بين الجيوش الكبيرة أكثر من قادة الروم المتمرسين على هذه الأنواع من الحروب من قديم الأزل؟

ثم إن كان خالد أفضل من قادة الروم، هل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أكثر خبرة بالحرب أيضًا من قادة الفرس؟ وعمرو بن العاص أكثر خبرة بالحرب من قادة الروم حين فتح مصر؟ وعقبة بن نافع أكثر خبرة بالحرب من كل القبائل في شمال أفريقيا؟ وطارق بن زياد أكثر خبرة بالحرب من الأندلسيين؟

كيف يعقل أن يتفوق كل هولاء على العالم أجمع في ذلك الوقت بسبب خبرتهم العسكرية وهم بالأساس من بعض القبائل البدوية التي لم تعرف سوى النزاعات القبلية البسيطة. لم يشترك هؤلاء في خبرة عظيمة وعبقرية ليس لها مثيل في العالم أجمع حتى يخضعوا العالم كله تحت سيطرتهم.

إنما اشتركوا في شيئين هما الإيمان بالله عز وجل والثقة في نصره والتوكل عليه حسن التوكل والإعداد للمعركة قدر الاستطاعة وعدم التفريط في سبب واحد من الأسباب الدنيوية لتحقيق النصر لأن الله عز وجل أمرهم بذلك وأخبرهم أنه حتى لو لم تكن عُدة المسلمين وجيشهم يضاهي جيش أعدائهم فهم المنتصرون على الرغم من ذلك بسبب إيمانهم.

  • Created on .