مدونة عوالم علمية

11079413 798879503531103 1008854855 n

عن العلوم البحتة أتحدث

سألني أحد أصدقائي فجأة: ألا تشعر بالندم لأنك تدرس اختصاصاً نظرياً يصعب إيجاد عملٍ فيه؟ أجبته: لا! فقال: ماذا يزيد عملك في الحياة؟ أجبته ضاحكاً: بضعة أوراقٍ علمية. قال: ثم ماذا؟ قلت: يقرأها أحدهم ثم يكتب عنها أوراقاً أخرى وهكذا! فهزّ رأسه متأسفاً.

اعتقد أن معظم الناس في مجتمعنا تقيس "أهمية" مجال معرفي ما بما يقدمه من إنتاج وانجازات ملموسة، أو بما يحققه لصاحبه من عيش كريم. ولذلك مثلاً ترى في مجتمعاتنا أن معظم العلوم الإنسانية (كالفلسفة وغيرها) تقع في أسفل سلم العلوم وتعتبر من أقلها "فائدة". وعندما ترد كلمة "نهضة" أو "تقدم" فأول ما يتم تصوّره وتصويره هو ناطحات السحاب والطرق المعبدة والمستشفيات… إلخ من الإنجازات المشابهة.

الواقع أن الوصول إلى معرفة صحيحة لم يكن مقتصراً على هذا العصر أو على ما يسمى منهجاً علمياً. فمنذ نعومة أظفار الإنسانية ونحن نعرف أن الجسم المدوّر أفضل من المكعب لتسيير العربات. ونستخدم بعض النباتات والأعشاب في معالجة العديد من الأمراض والآلام. ولدينا عدة طرق لإقامة جسور بسيطة وأبنية. كيف توصلنا إلى هذه المعارف؟ بالتجريب! إذاً فالـ"منهج التجريبي" وفق هذا المعنى قديم قدم الإنسانية نفسها، فما الذي اختلف في هذا العصر وأدى إلى كل هذه الانجازات؟
diag1 thumb

مخطط يوضح موقع العلوم النظرية من بقية العلوم

الواقع أن الجواب طويل ويحوي الكثير من التشعبات الفلسفية التي لا تعنينا الآن. ولكن أحد جوانب هذا الاختلاف يكمن في ما نسميه الآن بالجانب النظري، أي في الإجابة عن السؤال:لماذا؟لماذا تحريك جسم مدور على الأرض أسهل من تحريك مكعب؟

وللتوضيح نقول: من الممكن أن نصنف العلوم بعدة طرق، إحدى هذه الطرق هو التصنيف (نظري-عملي). فنقول عن بعض العلوم (كالرياضيات البحتة، والفيزياء النظرية، وعلوم الحاسوب النظرية) أنها علوم بحتة أو نظرية ونقول عن بعضها الآخر (كالهندسات والطب) أنها علوم تطبيقية أو عملية. يوضح المخطط السابق علاقة هذه العلوم ببعضها وبالفلسفة. ويقول معجم لسان العرب في مادة "نظر":

النَّظَر: حِسُّ العين. وتقول نظرت إلى كذا من نَظَر العين ونَظَر القلب. والعرب تقول: داري تنظُر إلى دار فلان بمعنى تقابل. وتقول أيضاً أَنظِرني أي انتظرني قليلاً. والنَّظَرُ الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك.

فالعلوم النظرية هي العلوم الي تحاول إيجاد إجابة على سؤاللماذابينما تجيب العلوم العملية على سؤالكيففلماذا تسقط التفاحة إلى الأرض؟ سؤال يتعلق بالفيزياء النظرية، وسؤالنا لماذا نشعر بأن الضرب أصعب من الجمع يتعلق بعلوم الحاسوب النظرية. وفي المقابل، كيف يمكن أن نبني بناءً متيناً ضمن كلفة معينة؟ سؤال يتعلق بهندسة البناء والعمارة. وكيف يمكن أن نبرمج برنامجاً تسهل صيانته؟ سؤال يتعلق بهندسة البرمجيات.

إذاً يمكن القول بأن العلوم التطبيقية تعالجمشكلة تطبيقية، وهي المشكلة التي بحلها تَسهُل حياة الإنسان (أو تَصعُب) بشكل مباشر. بينما تعالج العلوم النظريةمشكلة بحتةوهي التي يؤدي حلها إلى إزالة بعض الغموض الذي يلف هذا الكون الفسيح.

وبحل المشكلة البحتة نحصل على ما يسمىنظرية. وتشكل هذه النظرية الإطار الذي يتم من خلاله توصيف المشكلة وحلها في العلوم التطبيقية وعكس هذا الحل على أرض الواقع.

فمثلاً لتوليد الطاقة الكهربائية يمكن أن نعتمد على الفيزياء الكلاسيكية (نظرية نيوتن- نظرية ماكسويل) واستخدام أنظمة موافقة، كالعنفات والنواعير وأشباهها. أو يمكن أن نعتمد على ميكانيك الكم والنظرية النسبية، ونقوم بتحويل بعض الكتلة إلى طاقة، الأمر الذي يتم في المفاعلات النووية.

لاحظ أولاً أن النظرية هي التي تحدد نوعية الحلول التي يمكن تطبيقها. وهذه نقطة مهمة يجب التأكيد عليها وتوضيحها. فلو أننا أوقفنا البحث في العلوم النظرية واقتصرنا على نظرية نيوتن وماكسويل، فلن نستطيع أبداً أن نتخيل تزويد مدينة كاملة بالطاقة الكهربائية من خلال كمية ضئيلة من مادة كاليورانيوم مثلاً.

والنقطة الأخرى المهمة هي أن الأبحاث في العلوم النظرية مجهولة النتيجة تماماً بعكس الأبحاث في العلوم التطبيقية. فالبحث في العلوم التطبيقية يتعلق بحل مشكلة تطبيقية وفق نظرية أو مجموعة نظريات محددة. فالنتيجة -إن نجح البحث في حلها- متوقعة من البداية. بينما هل كان من المتوقع أن نصل إلى إمكانية تحويل الكتلة إلى طاقة إذا درسنا ظاهرة غريبة تتعلق بثبات سرعة الضوء بالنسبة لعدة مراقبين يتحركون بسرعات مختلفة؟

وإذا عرفنا أن النظائر المشعة التي تستخدم الآن في الطب تعود بداياتها إلى نظريات تتعلق بتفسير ظاهرة تقطع ألوان الطيف التي نراها من النجوم البعيدة ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل إيجاد علاج للسرطان يمكن أن يتم الآن وفق النظريات التي بين أيدينا؟ أم أن الحل قد يأتي من مكان آخر لا نتوقعه أبداً كالثقوب السوداء مثلاً التي يتم استخدامها لتوسيع النظريات الموجودة والوصول إلى فهم أعمق للكون؟ لا أحد يدري، ولكن التاريخ العلمي يشير إلى أن معظم القفزات العلمية جاءت من أماكن غير متوقعة إطلاقاً.

إن ما يقود الباحثين في العلوم النظرية هو الفضول العلمي المجرد. وفي الغالب لا يتكلل العمل الذي يقوم به معظم اولئك البحاثة بإنجاز عملي تطبيقي يمكن أن يلمسه الناس بشكل مباشر. فهم يأخذون ما قام به غيرهم ويضيفون عليه بعض التفاصيل ويعطونه إلى من بعدهم. وتستغرق النظرية جهوداً جبارة ووقتاً طويلاً حتى تنضج وتصل إلى نقطة يمكن الاستفادة منها عملياً. ولعلي اختم بمثال يتعلق بعلم التعمية (ما يسمى خطأً بالتشفير).

فحتى عهد قريب وآليات التعمية وإخفاء المعلومات تبنى بشكل أقرب إلى الفن منه إلى العلم. فنظام التعمية الجيد هو ذلك النظام الذي يبدو معقداً في نظر صاحبه. وقد بدأ هذا المجال بأخذ صيغة علمية مع ظهور نظريتين: الأولى هي نظرية المعلومات الي اخذت معالمها الأساسية على يد مجموعة من البحاثة أمثال هارتلي ونايكويست وشانون (نشر شانون ورقته البحثية الشهيرة في عام 1948). والثانية هي نظرية الحوسبة التي بدأت على يد تشرش وغودل وتورينغ وغيرهم (نشر تورينغ ورقته في عام 1937.

كان من الواضح أن نظرية المعلومات تتعلق بشكل مباشر بالتعمية، ويمكن القول بأن المؤسس هو شانون نفسه، إذ نشر ورقته حول التعمية الرياضية في عام 1949 (الفكرة كانت موجودة لديه قبل ذلك ببضعة سنوات). أما التعمية الحسابية، فلم يكن بالإمكان البدء فيها قبل وصول نظرية الحوسبة إلى مستوى معين من النضج. الأمر الذي استغرق حوالي الأربعين عاماً تقريباً. وظهر متفرقاً في عدة أفكار كالتعمية بالمفتاح المعلن (نشرت ورقة ديفي وهلمن عام 1976) وخوارزمية DES (تم نشرها في السجل الفدرالي الأمريكي عام 1975.

إذاً فجواب السؤال الذي بدأنا به هو أن التخصص في العلوم النظرية لا يهدف بشكل مباشر إلى بناء أدوات وابتكارات لحل المشاكل. وإنما يعتمد فقط على القلم والورقة والكثير من التأمل والتفكير للوصول إلى فهم أعمق لهذا الكون.

  • Created on .