متى نصر الله؟ (2-3)

متى نصر الله 2 حسام جابر
16 مارس,2015

سأل أحد الجنود نابليون بونابرت (1769- 1821م) قبيل اندلاع معركة (واترلو) Waterloo 1815م هل الله معنا نحن الكاثوليك، أم مع الإنجليز البروتستانت؟! فأجابه قائلًا: اللهُ مع صاحب المدفع الأكبر!

على الرغم من أن جواب القائد الفرنسي يعبر بشكل كبير عن وجهة النظر المادية التي لا تعرف إلا الأسباب دون مسببها. غير أنها تعبر أيضًا عن الشطر الأول من الحقيقة الإسلامية التي تقوم على الأخذ بالأسباب مع التوكل على رب الأسباب. فإذا كانت النظرة المادية البحتة بالغت وأفرطت في الأسباب حتى عدّتها وحدها الفاعل الوحيد في هذا الكون ورفضت ما عداها، فإن النظرة الإسلامية لدى الكثيرين منا قد أصابتها – أيضًا- الإفراط في الشطر الثاني من الحقيقة الإسلامية وهي التوكل على رب الأسباب، تاركة الأسباب وعمارة الدنيا إلى غيرها من الأمم!

ورغم أن الشريعة الإسلامية كانت (واضحة) جدًا في هذه القضية بضرورة التكامل بين الأسباب والتوكل على الله والثقة في موعوده حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاءه يسأل عن ناقته قائلًا: أعقِلُها وأتوكَّلُ أو أُطلِقُها وأتوكَّلُ؟! فقال: “اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ” [رواه الترمذي بإسناد حسن- رقم: 251[

وتحفل كتب السيرة النبوية المشرفة بتطبيق هذه الحقيقة الإسلامية الكبرى. فمثلًا: في حادثة الإسراء والمعراج أُتيَ للنبي صلى الله عليه وسلم بـ (البراق) ليحمله ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: [1

وبعد هذه الحادثة بثلاث سنوات كانت الهجرة النبوية إلى المدينة والتي على أثرها قام للإسلام (دولة) وصار لهم (مسجد). ورغم المخاطر الشديدة التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة الهجرة، لم يرسل الله لنبيه (البراق) ليحمله إلى المدينة كما حمله من قبل إلى الشام! ولكنه خرج على ظهر ناقة أخذها بالثمن من صاحبه الصديق! قائلًا لصاحبه في الغار بلسان الواثق، لما قال له: يا رسولَ الله، لو نظرَ أحدُهم إلى أسفلِ قدميه لرآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا” [رواه مسلم: 2381[

وفي هذا (إرشاد) و(توجيه) للأمة بطريق النهضة وسُبل العزة. فقد شاءت إرادة الله تعالى أن تقوم الدولة الإسلامية، الحاضنة للدين الخاتم، على أسباب أرضية باقية، لا على معجزات وقتية زائلة، حتى يكون الأخذ بالأسباب في بناء الدولة ونهضتها وإحيائها عن طريق هذه السُّنة في أي زمان أو أي مكان!

قال الشوكاني (1173هـ ـ1250هـ، 1759-1834م): “والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماضٍ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر – صلى الله عليه وسلم- بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك”.

وقد سأل هرقل الروم أبا سفيان بن حرب – قبل إسلامه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان الحرب بينكم؟ قال: سِجَالًا يُدال علينا ونُدَال عليه. قال: كذلك الرسل تُبْتَلى، ثم تكون لها العاقبة.

ومن الملاحظات التاريخية التي أشار إليها د.عبد الحليم عويس (1362-1434ه = 1943-2012م) أن القرن الذي شاهد سقوط غرناطة آخر مصارعنا في الأندلس ‏(898هـ = 1492م‏)‏ كان نفسه الذي شاهد سنة (857هـ = 1453م) الفتح الإسلامي الخالد للقسطنطينية، ذلك الفتح الذي كان من آثاره عند الإنصاف التاريخي حماية المسلمين لفترة تزيد على خمسة قرون.

فهكذا الإسلام يشرق من القسطنطينية ويغرب من الأندلس! وما فُتحت القسطنطينية إلا بأسباب وصلة برب الأسباب، وما سقطت الأندلس إلا بتركهما، فحقت عليها كلمة الله!

في مستدرك الحاكم عن أبي موسى رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ اللهَ, فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ: رَجُلٌ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ سَيِّئَةُ الْخُلُقِ فَلَمْ يُطَلِّقْهَا, وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ, وَرَجُلٌ آتَى سَفِيهًا مَالَهُ, وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: 5]”[المستدرك –رقم: 3181[

فهذه النماذج الثلاثة المذكورة في الحديث تدور حول (التفريط) في الأسباب ثم بعد (الاكتواء) بنار تركها، يدعون الله تعالى! فيخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يُستجاب لهم! لأن الأول هو الذي يعذب نفسه بإمساك امرأته سيئة الخلق وهو في سعة من فراقها، والثاني مفرط في حق نفسه ومقصر بعدم الإشهاد لحفظ ماله، والأخير هو المضيع لماله بإتيانه لأحد السفهاء مع علمه بحاله فلا عذر له.
وما أشبه حالنا بحال الطالب الذي لا يستذكر دروسه ثم يدعو الله بالنجاح في الامتحانات! وإذا ما وجد نتيجة (عمله) إذ به يتساءل مستنكرًا لماذا دعوت الله بالنجاح فلم يكتبه لي؟!

لماذا لا نُحكم السفينة إذا كانت الأمواج عاتية ثم نرجو من الله السلامة؟!

لماذا نتساءل عن عودة الخلافة الإسلامية ولا نتساءل عن كيفية سقوطها؟! وعن كيفية بنائها؟!

لماذا نبكي على الأطفال في سوريا ونتساءل لماذا لا ينصر الله أهل سوريا على عدوهم؟ ولا نتشاغل بالبحث عن كيفية تمكن العلويون والبعثيون من سوريا؟

لماذا ننتحب على فلسطين وأقصاها وشعبها؟ ونصرخ لم لا ينصرهم الله على عدونا وعدوهم؟ ولا نتساءل كيف احتل أعداؤنا أرضنا وديارنا ودنسوا مقدساتنا وقتلوا إخواننا؟! وكيف نتعامل مع عدونا وعدوهم؟ وكيف نتعامل معهم شعبًا وقضية ومقاومة؟!

لماذا نلعن الظلام ولا نحاول إضاءة شمعة واحدة؟

لماذا نشكو الجراح ولا نبحث عن أسبابها ونعمل على علاجها؟

لماذا نتساءل لماذا لا ينصرنا الله ونحن لا ننصره؟!

إن أولى الخطوات الصحيحة هي أن نخطو خطوة نحو النصر أولًا، بأن نعمل لنصرة أنفسنا، ونصرة أمتنا، بأن نعمل ونُعد العدة لذلك ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] وجاءت لفظ القوة نكرة لتشمل كل ما يُتقوى به، القوة العلمية والعملية.

إن الله تعالى تعبدنا بالعمل ولم يتعبدنا بنتيجة هذا العمل! فليس علينا إلا الجهد، كما قرر ذلك الشهيد سيد قطب (1324- 1387هـ = 1906- 1967م) عن الدعاة إلى الله – قولًا وفعلًا-: “إنهم أجراء عند الله، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجـر المعلوم! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير!”.

بل وهذا شأن الأنبياء أيضًا! ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ” [رواه مسلم: 374].

وبتراكم هذه الجهود مع توفيق الله تعالى يأتي النصر من الله تعالى لا محالة. وليس من المهم أن ندرك لحظة النصر ونشهدها، بل المهم أن نظل عاملين ثابتين كل بحسب جهده وعمله وعلمه.

روى البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: “هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ فَمِنَّا مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ – أي: نضجت- لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُهَا- أي: يجنيها-. قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ نَجِدْ مَا نُكَفِّنُهُ إِلَّا بُرْدَةً إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَأَنْ نَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ” [رواه البخاري: 1276[

بل ومن الصحابة من مات وهو يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشهد في غزوة أحد. فقد أشاع المشركون أن محمدًا قد قُتل. فتوقف بعض الصحابة عن القتال وألقى من ألقى منهم السلاح مستكينًا، بل وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي، رأس المنافقين، ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان‏.‏

فمر بهؤلاء أنس بن النضر، وقد ألقوا ما بأيديهم فقال‏:‏ ما تنتظرون‏؟‏ فقالوا‏:‏ قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ما تصنعون بالحياة بعده‏؟‏ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ، فقال‏:‏ أين يا أبا عمر‏؟‏ فقال أنس‏:‏ واها لريح الجنة يا سعد، إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته بعد نهاية المعركة ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم‏.‏

ونادى ثابت بن الدَحْدَاح قومه فقال‏:‏ يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قتل، فإن الله حي لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم‏.‏ فنهض إليه نفر من الأنصار، فحمل بهم على كتيبة فرسان خالد فما زال يقاتلهم حتى قتله خالد بالرمح، وقتل أصحابه.‏

ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار، وهو يتَشَحَّطُ في دمه، فقال‏:‏ يا فلان، أشعرت أن محمدًا قد قتل‏؟‏ فقال الأنصاري‏:‏ إن كان محمد قد قتل فقد بَلَّغ، فقاتلوا عن دينكم‏.‏

رحم الله الإمام عبد القادر الجيلاني (471 – 561هـ = 1078 – 1166م) حينما صاح بالحق قائلًا: “يا من اعتزل بزهده مع جهله: تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض تقدموا. خربوا صوامعكم واقربوا مني، قد قعدتم في خلواتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا”.

يُتبع..

  • Created on .