متى نصر الله؟ (1-3)

Untitle52d 1
بقلم : حسام جابر

9 مارس,2015

من أعلى الشمال إلى أدنى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، يتردد هذا السؤال – وبكثرة – على ألسنة الكثيرين حتى صار – وبحق – سؤال الساعة بلا منازع.

متى نصلي في المسجد الأقصى؟
متى تجف أنهار الدماء في بورما؟

متى تنتصر سوريا؟
متى تعود بغداد إلى سابق عهدها مدينة السلام ودار الخلفاء؟

متى ينتصر المستضعفون في جميع مشارق الأرض ومغاربها؟ متى يُهلك الله الظالمين؟

متى نصر الله؟

ورغم أن القرآن قد حكى لنا أن السابقين من أنصار الحق ودعاته، قد طال بهم أمد الصراع ومستهم البأساء والضراء وأصابتهم الزلزلة حتى تساءلوا هم ورسولهم هذا السؤال، قال تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة: 214]. إلا أن (حال) المتسائلين اليوم ليس كحال المتسائلين بالأمس!

قال صاحب الظلال: “إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه. من الرسول الموصول بالله، والمؤمنين الذين آمنوا بالله. إن سؤالهم ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة. ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب، فتبعث منها ذلك السؤال المكروب ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾. وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إنه مدخر لمن يستحقونه. ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية. الذين يثبتون على البأساء والضراء. الذين يصمدون للزلزلة الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة. الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله”.

ولكن (حال) المتسائلين اليوم قد امتلأ – للأسف الشديد – يأسًا وقنوطًا من رحمة الله تعالى. وصرنا نسمع من يقول: إذا كان ما يحدث لا يحبه الله ولا يرضاه فلماذا لا ينصرنا؟! أين الله مما يحدث؟! ومنهم من وصل به (الحال) إلى أن يقول: لو كان الله موجودًا ما تركنا يُفعل بنا ما يُفعل!

ورغم أن هذه التساؤلات قد صدرت من قلوب امتلأت ألمًا وحزنًا وغمًا وهمًا إلا أنها خوت من علم وفهم وإيمان. وأول ما نجيب به على المتسائلين (الجدد) بأن نقول لهم:

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر
ضل قوم ليس يدرون الخبر

فمن يقرأ التاريخ يعلم أن ما يحدث ليس بالأمر الجديد أو الغريب، فهكذا هي الحياة الدنيا ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس﴾[آل عمران: 140]. فالأيام دول، والزمن دوار.

يقرر هذه الحقيقة د. مصطفى محمود (1340-1430هـ، 1921-2009م) بقوله: “من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه أبدًا وسوف يرى الدنيا أيامًا يداولها الله بين الناس. الأغنياء يصبحون فقراء, والفقراء ينقلبون أغنياء, وضعفاء الأمس أقوياء اليوم, وحكام الأمس مشردو اليوم, والقضاة متهمون, والغالبون مغلوبون والفلك دوار والحياة لا تقف”.

وإذا كانت قراءة التاريخ بوجه عام تؤيد هذه الحقيقة الكبرى إلا إن الجهل بالتاريخ أو الذهول عنه وقت الأزمات تجعل النفوس تستبطئ النصر وتَنسى أسبابه. ورغم كثرة الشواهد وتعددها إلا أننا سنكتفي بشاهدي عدل من تاريخنا الإسلامي من كتاب (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (701 – 774 هـ، 1302 – 1373 م) نضعها بين يدي القارئ ولينظر كيف سيكون حال المتسائلين الجدد أمام هذين الشاهدين؟ وكيف ستكون ردة فعلهم لو كانوا معاصرين لهذين الحدثين العظيمين.

الشاهد الأول: وهو متعلق بأحد المقدسات الإسلامية وهو الحجر الأسود الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: “نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ”[رواه الترمذي رقم: 877 بإسناد حسن صحيح[

ذكر الحافظ ابن كثير في حوادث سنة 317هـ، ذِكْر أخْذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم: “فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافت الركوب هناك من كل جانب، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم، فقتل الناس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام وفي جوف الكعبة، وجلس أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي – لعنه الله – على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله في المسجد الحرام في الشهر الحرام، ثم في يوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام، وهو يقول:

أنا بالله وبالله أنا
يخلق الخلق وأفنيهم أنا

فكان الناس يفرون فيتعلقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئًا، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب، أنشد وهو كذلك:

ترى المحبين صرعى في ديارهم
كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

ثم أمر القرمطي – لعنه الله – أن تدفن القتلى ببئر زمزم، ودفن كثيرًا منهم في أماكنهم وحتى في المسجد الحرام – ويا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة – ولم يغسلوا، ولم يكفنوا، ولم يُصلّ عليهم; لأنهم شهداء في نفس الأمر، بل من خيار الشهداء، وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة، فأراد أن يقتلعه، فسقط على أم رأسه، فمات لعنه الله وصار إلى أمه الهاوية، فانكف اللعين عند ذلك عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود، وجاءه رجل فضربه بمثقل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟

ثم قلع الحجر الأسود – شرفه الله وكرمه وعظمه – وأخذوه معهم حين راحوا إلى بلادهم، فكان عندهم اثنتين وعشرين سنة حتى ردوه، كما سنذكره في موضعه في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، فإنا لله وإنا إليه راجعون” [البداية والنهاية: 15 / 37 – 39[

أغلب الظن أن بعض هؤلاء لن يكتفي فقط بسؤال متى نصر الله؟ ولكنه قد يتساءل مثل ما تساءل أحد هؤلاء الكافرين: أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟

ولعله يتخذها ذريعة للتشكيك في القرآن الكريم الذي حدثنا بهلاك أبرهة الأشرم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [سورة: الفيل] ولأن لله تعالى سُننًا في خلقه فقد كان هلاك أصحاب الفيل عن طريق الخوارق (الطير الأبابيل) وذلك قبل أن يوجد عباد مسلمون مكلفون، ولكن السُّنة الربانية بعد وجود هؤلاء المكلفين تغيرت إلى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11 [

الشاهد العدل الثاني: وهو متعلق بمن حرمته أشد عند الله من زوال الدنيا بأسرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ” [رواه الترمذي- رقم: 1395[

ذكر الحافظ ابن كثير في حوادث سنة 656هـ، وفيها أخذت التتار بغداد وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها: “ومالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان. ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقني الوسخ، وكمنوا كذلك أياما لا يظهرون، وكان الفئام من الناس يجتمعون في الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان، فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من “اليهود والنصارى”، ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخذوا لهم أمانًا بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.

وعادت بغداد بعدما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها أحد إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. وقد اختلف الناس في عدد من قتلوا ببغداد من المسلمين، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف.

وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إلىه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم العلي العظيم. وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين صباحًا.

ولما انقضى أمد الأمر المقدور، وانقضت الأربعون يومًا بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنت البلد من جيفهم، وتغير الهواء؛ فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثيرون من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إلىه راجعون.

ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من كان تحت الأرض بالمطامير والقني والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضًا، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد، فتفانوا ولحقوا بمن سلف من القتلى، واجتمعوا في البلى تحت الثرى، بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى” [البداية والنهاية: 17 / 356 – 361[
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

يُتبع

  • Created on .