الكلام على الطرق الأخرى غير طريق منصور

 

طريق زبيد عن الشعبي:

أما طريق زبيد فرويت موصولة ومرسلة، والصواب الإرسال لكون عبد الرحمن أوثق من أبي حذيفة موسى بن مسعود وأبو حذيفة كان يخطئ في حديث سفيان.

وربما وهم الدارقطني رحمه الله حين ذكر أن عبد الرحمن رواها مرفوعة والصواب أنه رواها مرسلة كما تقدم في رواية النسائي.

والخلاصة أن الطريق ثابتة مرسلة لا موصولة.

طريق الحكم عن مقسم:

نظرة في سياق الحديث في المسند:

روى هذا الحديث بهذا السند إسحق في مسنده، ثم أتبعه بطريق آخر للحديث نفسه.

قال: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أَنْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ».

ثم أخرج حديثاً آخر:

قال: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ وَسَبْعٍ، وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ، وَلَا كَلَامٍ».

أما حديث جَرِير، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلّ..»..

فلا يُعرف أن هذا المتن رُوي بهذا الإسناد: "عن الحكم عن مِقسم عن أم سلمة"!!

وهذا الإسناد معروف للمتن الآخر: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ وَسَبْعٍ...».

فالحديث خطأ وهذا السند محفوظ للحديث الذي يليه في الوتر.

ممن الخطأ؟

والخطأ إما من إسحق أو من جرير أو من الناسخ:

فإما أن يكون الخطأ من جرير فهو أبعد الاحتمالات لأن جريرا ثقة وتخطئة الثقة بحاجة إلى دليل قوي

الاحتمال الثاني نسبة الخطأ إلى إسحق وهذا أقرب من السابق فإسحق مصنف فعندما أراد أن يخرج الحديث الأول والحديث الثاني بعده كرر متن الأول بإسناد الثاني

الاحتمال الثالث وهو خطأ الناسخ وهذا أقرب الأقوال وأرجحها.

ولا تصلح هذه الرواية لتعضد رواية منصور لأنها خطأ والخطأ لا يعضد غيره.

 

طريق مجاهد:

وهذا لا يُعرف عن شعبة بهذا الإسناد إلا في هذا الحديث، والمحفوظ عن شعبة عن مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وليس عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن الشعبي.

والأشعث بن زرعة العجلي لم أجد له ذكراً إلا في هذه الرواية. تفرد بالرواية عنه سهيل الجارودي.

وسهيل ذكره ابن حبان في «الثقات»: "سهيل بن إبراهيم الجارودي أبو الخطاب، يروي عن مسعدة بن اليسع وأهل البصرة، حدثنا عنه عمر بن محمد البختري. يخطئ".

ثم ذكره بعد أربع ورقات (8/303) وقال: "يخطئ ويُخالف".

فمثله لا يُقبل تفرده، وحديثه هذا مردود.

 

طريق عاصم

وأما طريق عاصم فرواها مؤمل كما في شجرة الأسانيد مرفوعة وكذلك رواها أبو مالك النخعي مرفوعة كما ذكر الدارقطني، وأبو مالك ومؤمل ضعيفان لا تحتمل مخالفتهما كما قال الدارقطني خاصة إذا خالفا حماد وإسرائيل وعبد الواحد بن زياد الذين رووا الحديث مرسلا.

فالخلاصة: أن الطريق عن عاصم لا تصح مرفوعة موصولة عن الشعبي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تصح مرسلة عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر ذلك الدارقطني رحمه الله، والخطأ من مؤمل وأبي مالك.

وإلى هذا ذهب النسائي في سننه حيث قال بعد أن ساق الحديث موصولاً عن منصور عن الشعبي عن أم سلمة: "رواه زبيد عن الشعبي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً".

 كأنه يرجّح المرسل على المتصل كما هي عادته في كتابه.

 

طريق عطاء:

وأما طريق عطاء فالظاهر أنها خطأ أيضا، فأبو غسان وإن كان ثقة فما دونه لا يحتمل تفردهم.

طريق أبي بكر الهذلي عن عامر عن عبد الله بن شداد عن ميمونة:

روى الطيالسي في «مسنده» قَالَ: حدثنا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزَلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ».

ورواه الطبراني في «كتاب الدعاء» وفي «المعجم الكبير» (24/9) و«المعجم الأوسط» (3/34) عن أَبي مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ، عن مُسْلِم بن إبراهيم، عن ابي بكر الهذلي، به.

قال الطبراني: "لمْ يَرْوِ هذَا الْحَدِيثَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ".

والحقيقة أنه لم يتفرد به مسلم كما قال الطبراني! فقد تابعه أَبُو جَابِرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِالْمَلِكِ عن أَبي بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، كما هو عند الخرائطيّ في «مساوئ الأخلاق».

وقد سُئِل الدارقطني في «العلل» عن هذا الحديث، فقال: "يرويه الشعبي، واختلف عنه؛ فرواه أبو بكر الهذلي، عن الشعبي، عن عبد الله بن شداد، عن ميمونة. والصحيح: عن الشعبي، عن أم سلمة، بيناه في حديث أم سلمة".

وأبو بكر الهذلي ليس بشيء في الحديث وهو متروك.

 

طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة:

روى الطبراني في «كتاب الدعاء» قال: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بنُ أَحْمَدَ، قال: حدثنا عُمَرُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بنِ مُجَالِدٍ، قال: حدثنا أَبِي، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَضِلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ».

قلت: مُجالد بن سعيد ضعيف جداً، ولا يُحتج به! وقد خالف الثقات في روايته عن الشعبي. فالحديث معروف عن الشعبي عن أم سلمة، ولم يروه الشعبي عن مسروق عن عائشة، والظاهر أن مجالداً سلك الجادة في إسناده بسبب سوء حفظه.

وابنه إسماعيل ليس بذاك أيضاً، ولعمر عن أبيه إسماعيل غرائب!!

وقد رُوي عن مجالد عن الشعبي بإسناد آخر!

أخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة مجالد قال: أخبرنا الساجي، قال: حدثني محمد بن عطية الشامي، قال: حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي، عن الحارث، عن عليّ، به.

قلت: وهذا لا يصح، ولا أدري الخطأ ممن! من عمر أم من أبيه أم من جدّه!!

 

طريق ابن عائذ عن خالد بن عبيد الله:

أخرج ابن منده من طريق ابن عائذ، قال: حدثني خالد بن عبيد الله بن الحجاج السلميّ: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو فيقول: اللهم إني أعوذ بك أن أظلم أو أظلم، الحديث.

قال ابن منده: "غريب". [الإصابة في تمييز الصحابة: 2/234].

قلت: ابن عائذ هو محمد بن عائذ القرشي صاحب المغازي المعروف، ولد سنة (150هـ)، وأثبت أبو حاتم لخالد بن عبيد الله الصحبة، فالحديث فيه انقطاع شديد بين ابن عائذ وخالد، وهو غريب كما قال ابن منده، فلا يصلح لأن يكون شاهداً لمرسل الشعبي.

 

والخلاصة أن هذا الحديث منقطع بين الشعبي وأم سلمة وهذا الانقطاع مؤثر فيه فمراسيل الشعبي ليست مقبولة بإطلاق، ولا يوجد لهذا الحديث شاهد ولا متابعة، والله أعلم. 

 

 oman

 

  • Hits: 438