الكلام على المقطع الأول: تنزيه الله وتعظيمه

1-  ما وجه البدء بالأمر سبّح؟

التّسبيح هو التّنزيه عن النّقائص، ومصدره (سبحان)، وهذه الكلمة بكلّ مشتقّاتها لا تستخدم إلّا مع الله، ونلاحظ أنّ الإنسان عندما يرى شيئاً غريباً عجيباً يقولها من تلقاء نفسه وهذا له علاقة مباشرة بموضوع السّورة.

والابتداء بهذا يؤذن بأنّه سيلقي إليه عقبه بشارة وخيراً كما سيأتي، وهذا فيه براعة الاستهلال بخلاف إلقاء البشارة والضّمانات ابتداء.

2-  ما وجه تعلّق التّسبيح هنا بالاسم؟

يأتي التّسبيح أحياناً متعلّقاً بالله مثل قوله " وسبّحه ليلاً طويلاً "، وأحياناً متعلّقاً بالاسم كما في هذه السّورة، والظّاهر أنّ الفرق بينهما:

- أنّ تسبيح اسم الله يكون بالنّطق بذكره ذكراً يليق بجلاله، ويشمل ذلك استحضار المعاني، لأنّ هذا هو المقصود من الألفاظ، وبهذا يتكرّر المعنى على ذهن المتكلّم ويتجدّد ما في نفسه من تعظيم الله، وهذا مناسب لما سيأتي لاحقاً من قوله " وذكر اسم ربه فصلّى"، ومثل هذا حين يكون التّسبيح متعلّقاً بوقت من الأوقات "وسبّحوه بكرة وأصيلاً "، فالتّحديد بالوقت خاصّ بالفعل لا بالتّفكّر، ومثل هذا تعدية الفعل بالباء.

- وأمّا تسبيح الله فيكون بتفكّر العبد في عظمة الله وترديد ذلك في ذهنه.

وفي المحصّلة فإنّ مآل الأمرين واحد، وذلك أنّ كلا الأمرين يراد به الإشارة إلى معرفة أنّ الله منزّه عن النّقائص.

 

2015 01 17 17h53 51

3-  ما هو وجه ذكر الرّبّ؟

المقصود بذكر الرّبّ هنا، استحضار صفات الرّبوبيّة على ما سيأتي تفصيل بعضها لاحقاً في الآيات التّالية، والرّبّ في اللّغة له ثلاثة معان: السّيّد، والمصلح، والمربّي.. وبهذه المعاني يكون التّنزيه والتّعظيم.

وإضافة الرّبّ إلى النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ مراده التّعظيم والتّشريف للنّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ فيكون له حظّ زائد على التّكليف بالتّسبيح.

وقد أجري على لفظ ( ربّك ) صفة ( الأعلى ) وما بعدها من الصّفات فهو مستحقّ للتّنزيه لصفات ذاته ولصفات إنعامه على خلقه كما سيأتي بيانه.

4-  ما هو وجه ذكر الأعلى دون غيرها؟

الأعلى اسم يفيد الزّيادة في صفة العلوّ أي الارتفاع، والارتفاع معدود في عرف النّاس من الكمال والعظمة.

وهذا الاسم اسم تفضيل، وعندما يقترن اسم التفضيل بـ (ال) ولا يذكر معه مفضّل، فهو في أعلى درجات التّفضيل، ودونها أن يكون مضافاً كقولنا ( عمرو أفضل الرّجال ) ودونها أن يكون مجرّداً من (ال) ومن الإضافة (عمرو أفضل من زيد).

فجاءت هذه الصّيغة لتدلّ على أنّ الله عليّ في أعلى درجات العلوّ، وهو علوّ حقيقيّ على العرش فوق السّماء، كما يقول أهل السّنّة والجماعة، وهذا مناسب غاية المناسبة للمقصد الرّئيس من السّورة وهو التّعظيم.

 

2015 01 17 17h54 05

5-  ما وجه مناسبة ذكر الصّفات بعد وصفه بالأعلى عزّ وجلّ؟

بعد أن أمر الله نبيّه _صلّى الله عليه وسلّم_ والأمّة من بعده بتنزيه الله الأعلى، جاء بثلاث أمور دالّة على ما سبق وصفه به، وكأنّ قائلاً يقول: كيف عرفتم أنّه أعلى؟ فجاء الجواب فيما سيأتي:

وذكرت هذه الصّفات بعد الاسم الموصول للدّلالة على أنّ الصّفات المذكورة تصلح أن تكون وصفاً مميزاً للموصوف، ويمكن أن يعرف بها وأنهّا هي المرادة في التّعريف بما سبق من الصّفة.

6-  ما هي الصّفات الواردة بعد الأمر بالتّنزيه؟

ذكر بعدها ثلاثة موصولات الأوّل: الخلق والتّسوية...... الثّاني: التّقدير والهداية..... الثّالث: الإخراج والتّغيير..

 

2015 01 17 17h54 18

 

7-  ما وجه ذكر الاسم الموصول بعد كلّ صفة على حدة؟

ذكر الاسم الموصول مكرّراً مع كلّ صفة للدّلالة على أنّ كلّ صفة تصلح وحدها أن تكون دلالة مستقلّة على ما سبق ذكره من صفة، وهذا أبلغ في المعنى والدّلالة في إرادة كلّ صفة على حدة.

8-  ما وجه التّعقيب بالتّسوية بعد ذكر الخلق؟

الخلق هو التّقدير قبل القطع من مثل قولهم : خلق الأديم للسّقاء، كما قال زهير:

ولأنت تخلق ثمّ تفري وبعـ  ـض القوم يخلق ثمّ لا يفري

وأمّا التّسوية فهي اعتدال واستقامة بين شيئين والسّويّ هو الّذي لا عيب فيه.

ولم يذكر مع الخلق شيئاً ليدلّ على عموم الخلق فالله الأعلى هو خالق كلّ شيء.

والتّعقيب بالفاء يشير إلى أنّ التّسوية هي المقصودة من الصّلة، وأنّ ما قبلها تهيئة لها وقدّم الخلق لأنّه مقدّم على التّسوية، وإن كان حصول التّسوية مقارناً لحصول الخلق.

 التّسوية أمر زائد على الخلق فقد يكون خلقاً غير سويّ متفاوت غير ملتئم، وليس هذا محلّاً للمدح، فذكر الله هنا خلقه عزّ وجلّ وذكر أمراً زائداً على ذلك، وهو حسن الخلق وتناسقه وتناسبه، ليتناسب مع التّفضيل الزّائد في صفة العلوّ المذكورة آنفاً، فالخلق لا يكون منقبة إلا إن كان الخلق مستوياً معتدلاً لا عيب فيه.  

9-  ما وجه التّعقيب بالهداية بعد التّقدير؟

ذكر التّقدير في مواضع عديدة في كتاب الله منها قوله تعالى: " إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر"، ومنها قوله تعالى: "قد جعل الله لكلّ شيء قدراً"، وقد جمع موسى عليه السلام هذين الأمرين في التّعريف الشّامل بالذّات الإلهيّة فقال: " ربّنا الّذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى".

والمقدار هو كمّيّة الشّيء المضبوط.

المقصود بالهداية هنا أنّ الله جعل في النّفوس والطّبائع والأخلاق أشياء محدّدة، فهو قدّر الماء ينبع ويجري ثمّ هدانا للشّرب منه إن عطشنا، ولولا تلك الهداية لما عرف العطشان أنّ الماء هو الّذي يرويه، ولما عرف الجائع أنّ الطّعام سيشبعه، وهذه الهداية شاملة للدّوابّ جميعها، وممّا يؤكّد ذلك قضيّة المرعى المذكورة لاحقاً.

10- ما مناسبة ما سبق لمضمون السّورة؟

ذكر الله هذين الوصفين: التّسوية والهداية، لأنّهما مناسبان لما سيأتي لاحقاً من ضمانتَي الله للنّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ بالحفظ والتّيسير، فإنّ الّذي يسوّي الخلق ويهديه فلا بدّ أنّه سيسوّي خلق النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ تسوية تلائم ما خلقه لأجله من أعباء الرّسالة، لا يفوته أن يهيّئه لحفظ ما يوحيه إليه وتيسيره عليه.

11-  ما مناسبة ذكر المرعى وجعله غثاء أحوى لما سبق من الصّفات؟

المرعى هو النّبت الّذي ترعاه البهائم السّائمة، والغثاء: هو اليابس من النّبت، والأحوى: هو الموصوف بالحُوّة بضمّ الحاء وتشديد الواو، وهي لون سمرة قريب من السّواد.

هناك عدّة مناسبات:

** منها: أنّ الصّفة السّابقة أي -الهداية- خاصّة بذوات الأرواح كالإنسان والحيوان وغيره، ولا تشمل النّباتات فهي لا تحتاج إلى هداية تهتدي بها. فناسب هنا أن يذكر المرعى تذكيراً بخلق جنس النّبات من شجر وغيره، وخصّ المرعى بالذّكر دون النّبات، لما يشعر به مادّة الرّعي من نفع الأنعام به ونفعها للنّاس الّذين يتّخذونها.

** ثمّ ذكر صفة اللّون لأنّه أوّل ما تقع عليه العين فتعرف تغيّره، وفي هذا إشارة إلى عظيم قدرته تعالى وتصرّفه في الإنشاء والإنهاء، وهذا مناسب غاية المناسبة لما سيذكر أيضاً لاحقاً من شأن الدّار الآخرة وأحوال الناس فيها.

** ومنها: أنّ فيه إيماء إلى أحوال النّاس في الاستجابة للقرآن، وإلى أنّ الشّريعة ستكمل ويبلغ الله ما أراد الله فيها كما يكمل المرعى ويبلغ نضجه.

**ومنها: أنّ فيه إيماء إلى أنّ مصير الخلق كلّهم إلى الفناء والدّار الآخرة بعد انتقالهم من طور إلى طور، كما قال تعالى " الله الذي خلقكم من ضعف ثمّ جعل من بعد ضعف قوّة ثمّ جعل من بعد قوّة ضعفاً وشيبة ".

** ومنها: أنّ فيه إشارة إلى أنّ مدّة نضارة الحياة للأشياء تشبه المدّة القصيرة، كما أن المرعى لا يكون نضيراً إلا مدّة قصيرة من الزّمان فيما يراه الناس عياناً في كلّ مدّة، كما قال تعالى " إنمّا مثل الحياة الدّنيا كماء أنزلناه من السّماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرّياح" ومثل هذا تشبيه الله للحياة الدّنيا بالزّهرة قال تعالى: " زهرة الحياة الدّنيا " في إشارة إلى قصرها وسرعة زوالها.

** ومنها: أنّ فيه إشارة أيضاً إلى إنزال الغيث، وهي مع التّسوية والهداية ممّا لا يقدر عليه إلا الله.

** ومنها: الإشارة إلى أحوال النّاس تجاه هذه التّذكرة، وقد جاء مثل هذا في قوله صلّى الله عليه وسلّم: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنمّا هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به» رواه البخاريّ.

 

 

 

 

 

 

2015 01 17 17h54 37

 

 

Map Shot 1

  • Created on .