الكلام على المقطع الثاني: الرسالة

1-  ما وجه ذكر الضّمان بعدم النّسيان بعدما سبق من الآيات؟

ذكرنا سابقاً مناسبة الصّفات الواردة لهذا القسم،  وكلّ هذا يعتبر توطئة وتهيئة لهذا القسم.

وهنا عدّة إشارات:

الأولى: أنّ هذا الأمر دليل على عظمة القرآن وعلوّه وقدره، إذ جاء الحديث عنه بعد الحديث عن علوّ الله وقدره مباشرة.

الثّانية: الحديث عن الخلق والتّسوية فيه من الدّلائل الدّالّة على اللّطف والحفظ الكثير، فالمخلوق في بطن أمّه كان ضعيفاً لا يملك تسوية خلقه فسوّاه الله على أحسن صورة وحفظها له حتّى خرج، وبعد أن خرج قدّر له الأمور وهداه، فناسب بعد كلّ هذا أن يطمئن الله نبيّه _صلّى الله عليه وسلّم_ بأنّه على الرّغم من الكيد والتّكذيب والاستهزاء إلّا أنّ الله هو الّذي سيتولّى إقراءك هذا القرآن يا محمّد.

الثّالث: المناسبة بين تعظيم الله وحفظ العلم والتّيسير، فعلى قدر حظّك من الأوّل يكون حظّك من الآخرين وهذا معنى مهمّ ينبغي للإنسان الانتباه له والتّركيز عليه.

 

2015 01 17 17h54 45

2-  ما دلالة وجود السّين في قوله سنقرئك؟

ابتدأ أولّاً بالإقراء مع السّين الدّالّة على الاستقبال إشارة إلى تأكيد حصول الفعل، خاصّة وأنهّا اقترنت بفعل حاصل في وقت التّكلم فإنهّا تقتضي أن يستمرّ ويتجدّد، وهذا إشارة إلى أنّه وإن كان قد خاف من نسيان بعض ما أوحي إليه على قلّته، فإنّه سيتتابع ويتكاثر فلا يخشى نسيانه مع تزايده.

وفي هذه الآية معجزة فإنّ الله قد أخبر بها أمراً غيبيّاً مخالفاً للعادة وقد وقع فكان هذا من أوجه بيان قدرته.

3-  ما دلالة نسبة الإقراء إليه؟

في هذه النّسبة إشارة إلى أنّ العلم الذي سيتلقّاه النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ هو كلّه من الله فإذا كان الله هو الذي أنزله فهو أيضاً الّذي سيحفظه واستخدم معها ضمير الجماعة الدّالّ على العظمة في حال الخطاب.

وفي هذا إشارة إلى أنّ العلم إنّما هو من الله، وهذا الأمر من أهمّ ما يجب على طالب العلم الانتباه له فما يحصل له من العلم إنّما هو من الله وحده لا من اجتهاده وتحصيله.

4-  ما وجه الالتفات من ضمير الغيبة في المقطع السّابق إلى ضمير المتكلّم في هذا المقطع؟

 المقطع السّابق كان الحديث فيه عن عظمة الله، فناسب أن يسوق الله الخطاب بصيغة الغائب لأنّه أنسب للمدح وفيه إشارة إلى تعاليه في القدرة.

أمّا في المقطع الحاليّ فكان الحديث فيه ضمان من الله، والضّمان إذا كان بصيغة المخاطبة كان أشدّ وأوقع في النّفس وأدعى إلى الاطمئنان بتحقّق المراد.

لاحظ عودة الكلام إلى ضمير الغيبة مرّة أخرى في قوله " إنّه يعلم الجهر وما يخفى" في سياق حمده لنفسه جلّ وعلا إشارة إلى تعاليه في العظمة.

5-  هل (لا) في قوله "فلا تنسى" نافية أم ناهية؟

(لا) نافية بدليل ثبوت الألف المقصورة في نهاية الفعل، ولو كانت ناهية لكان الفعل مجزوماً وللزم حذفها دليلاً على الجزم.

كما أنّ سياق الضّمان في هذه الآية يناسب كونها نافية لا ناهية، خاصّة مع كون النّسيان أمر خارج عن إرادة الإنسان.

كما أنّ هناك آيات نسخت ونسيت بعد ذلك، فهذا دليل على أنّ ذلك كان بأمر الله.

6-  كيف يمكن الجمع بين هذه الآية وبين الآيات الّتي كان ينسى النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ بعضها في الصّلاة كما في الصّحيح؟

هذا النّسيان يجعل الله له من الأسباب ما يذكره بها، بحيث لا يتخلّف عن ذلك تشريع، وهذا هو المقصد الأساسيّ في السورة، ونسيان النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ لاحقاً لبعض الآيات لا يتنافى مع الحفظ الموعود به في هذه الآيات، لأنّ ذلك النّسيان كان من طبيعته البشريّة، وكان لاحقاً بعد أن حفظ الصّحابة عنه رضوان الله عليهم.

7-  ما مناسبة ذكر الجهر والإخفاء ههنا؟

هذه الجملة اعتراضيّة ولها عدّة مناسبات يستفاد منها عدّة معان:

الأوّل: وهو مناسب لعموم اللّفظ: أنّ الّذي يعلم الجهر وما يخفى من العباد جميعاً قادر لا يعجزه عن قدرته شيء، فمن كانت هذه حاله لن يصعب عليه أن يحفظ لك التّنزيل في صدرك.

الثّاني: وهو مناسب لخصوص السّياق: أي أن يعلم جهرك مع جبريل _عليه السّلام_ ويعلم ما تخفي في نفسك من مخافة النّسيان، فاطمئن ولتقرّ عينك فإنّنا سنقرئك فلا تنسى ممّا نقرئك شيئاً.

الثّالث: أن يكون المعنى (فلا تنسى إلّا ما شاء الله) أن ينسى، فإنّه أعلم بمصالح العبيد وأعلم، فما فيه مصلحتهم فيبقيه على الجهر، وما ليس لهم فيه مصلحة فيخفيه.

2015 01 17 17h54 57

 

8-  ما وجه التّعبير عن الجهر بالاسم وعن الإخفاء بالفعل؟

السّر في ذلك أنّ الجهر ظاهر، فناسب معه ذكر المصدر الصّريح، بينما (ما يخفى) مصدر مؤوّل من الاسم الموصول وصلته، وهو لا يدلّ على المخبر به مباشرة، بل فيه انقطاع خفيف ثمّ يصل إلى المصدر وهذا مناسب للإخفاء.

كما أنّ التّعبير بكلمة (ما) الدّالّة على العموميّة والشّمول ظاهر في الإشارة إلى شمول العلم لكلّ شيء يتمّ إخفاؤه مهما كان حاله.

كما أنّ الإخفاء يدرك مرّة بملامح الوجه ومرّة من نبرة الصّوت ومرّة من حركة الأعضاء، وغير ذلك فيمكن أن يعرف مرّة ولكن قد يخفى مرّات كثيرة ولا يعرف، لكن الله يعرف حتّى لو تكرّر الخفاء مرّة بعد مرّة، لأنّه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

9-  ما هو المقصود باليسرى؟

اليسرى مؤنّث الأيسر، وهي صيغة تدلّ على قوّة الوصف لأنّها مؤنّث أفعل.

 قيل المقصود بها الجنّة، وهذا بعيد والرّاجح أنّ المقصود أمران:

الأوّل: وعد الله له بأن ييسّر له الشّريعة فيجعلها يسيرة لا حرج فيها.

الثّاني: وعد الله إيّاه بأنّه يسّره لتلقّي أعباء الرّسالة فلا تشقّ عليه ولا تحرجه.

فاشتمل الكلام على تيسيرين: تيسير ما كلّف به النّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ ،وتيسير النّبيّ للقيام بما كلّف به، وهذا – أقصد تنزيل الشّيء الميسّر منزلة الميسّر له والعكس – مبالغة في ثبوت الفعل للمفعول على طريقة القلب المقبول كقول العرب.

ومن هذا ما ورد في الحديث (أنّ رسول الله _صلّى الله عليه وسلّم_ ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما)، وقوله _صلّى الله عليه وسلّم_ لأصحابه (إنّما بعثتم ميّسّرين ولم تبعثوا منفّرين)

10- ما هي مناسبة الأمر بالتّذكير بعد ما سبق ؟

بعدما ذكر قدرته جلّ وعلا، وذكر ضمانتين للنّبيّ _صلّى الله عليه وسلّم_ وهما: حفظ الرّسالة وتيسيره لليسرى، ناسب أن يذكر الأمر بالتّذكير، وكأنّ ما سبق توطئة وتهيئة لهذا الأمر فإنّ المتّصدي للتّذكير إذا علم أنّ ضامناً قد ضمن له هذين الأمرين: وهما حفظ رسالته من الضّياع والنّسيان والتّحريف، وضمن له السّهولة والتّيسير في أمره، وكان هذا الضّامن قديراً خالقاً هادياً محيياً مميتاً تصدّى لهذه المهمّة بصدر منشرح وبهمّة عالية.

والأمر هنا القصد منه دوام العمل بالتّذكير، وهو تبليغ القرآن للنّاس وتذكيرهم بالدّار الآخرة الّتي يدور عليها الكلام في القسم الثالث.

 

Map Shot 1

  • Created on .