المقطع الأول: القسم والمقسم عليه

1-   ما المغزى من الابتداء بالقسم؟

الابتداء بالقسم بشكل عام يقصد به التشويق لما بعده والاهتمام به فاستخدام أسلوب القسم لا يكون إلا لتأكيد شيء مهم ذو خطر

2-   ما وجه تطويل القسم؟

زيادة طول القسم زيادة في المقصد الرئيس للقسم نفسه وهو التشويق فكلما طال القسم زاد الغرض منه.

3-   ما وجه المناسبة بين القسم وجوابه؟

أقسم الله بثلاثة أمور على الكبد في حياة الإنسان:

الأول وهو البلد الحرام مكة كرمها الله ومناسبة ذكرها للكبد من عدة أوجه

الأول: طبيعة البلد المناخية والجغرافية وجبالها وضيق الرقعة الموجودة فيها

الثاني: الكبد الذي عانى منه إبراهيم عليه السلام فيها

الثالث: الكبد الذي عاناه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها من أهلها وإعراضهم عنه وقتالهم له حتى تكون له الغلبة فيكون حلالا في مكة والذي يظهر أن هذا هو المعنى المباشر – أقصد المتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم- المراد بدليل ما أعقب هذا الجزء من القسم من جملة اعتراضية بتخصيصه صلى الله عليه وسلم في الخطاب.

والثاني: هو الوالد وما ولد فعلى المعنى الخاص الذي هو إبراهيم: فإنه حياتها كلها عليه الصلاة والسلام كانت مكابدة ومشقة فقد كان أبوه كافرا ورماه قومه في النار يريدون تحريقه كما أنه حرم من الولد دهرا ثم رزق جارية ثم أنجبت زوجته الأولى هاجر فأمره الله بتركها وولدها في البادية في مكان لا إنس فيه ولا جن مع طفلها الرضيع ثم أمره الله بذبحه وهكذا كانت حياته كلها مكابدة ومشقة في الله

وأما على المعنى العام فإن الولادة هي المكابدة والشدّة والمشقة فإذن ارتبطت بقوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ثم ارتبطت بآخر السورة (وتواصوا بالصير وتواصوا بالمرحمة) لأن الوالد يحتاج في تربية ولده إلى صبر ومرحمة سواء كان من الأناسيّ أو البهائم ولولاهما لما استطاع تربية أبنائه. وهي مناسبة لجو السورة الذي كله يقوم على المكابدة والمشقة والصبر والمرحمة والإطار العام للسورة

 

2015-01-09 18h10 25

 

4-   ما هي دلالة لا في بداية القسم ؟

لا هذه ليست نافية بل فيها قولان:

الأول: أنها مؤكدة للقسم والمقصود أقسم قسما جازما

الثاني: أنها تسبق الحصر والمقصود لا أقسم إن أقسمت إلا بالبلد للتدليل على عظمته

علما أنه لم يرد لفظ القسم في القرآن مجردا أبدا ( أقسم ) بل كل ما فيه لا أقسم

وهذه هي السورة الثانية من اثنتين ابتدأتا بالقسم هما القيامة والبلد

 

2015-01-09 18h10 39

5-   ما وجه استخدام هذا النوع من القسم هنا؟

هذا النوع يأتي عادة عندما يكون الأمر المقسم عليه من الأمور الواضحة البينة التي لا تحتاج إلى ما يسندها من قسم ونحوه فالقسم  ..

وقد جاء هذا القسم في القرآن ثمان مرات وافتتح بها سورة واحدة هي سورة القيامة وهي السورة التي تحوي قسمان من الأقسام الثمانية وجواب القسم فيها محذوف وكان جواب القسم مرتين ( إنه لقول رسول كريم )

6-   ما وجه استخدام اسم الإشارة هذا؟

الإشارة ب «هذا» مع بيانه بالبلد، إشارة إلى حاضر في أذهان السامعين كأنهم يرونه لأن رؤيته متكررة لهم وهو بلد مكة، ومثله ما في قوله: إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة  وفائدة الإتيان باسم الإشارة تمييز المقسم به أكمل تمييز لقصد التنويه والاهتمام به.

7-   ما نوع الواو في قوله وأنت حل؟

الواو اعتراضية والجملة كلها اعتراضية

8-   ما هو المراد من هذه الجملة الاعتراضية؟

والمقصود من الاعتراض يختلف باختلاف معنى (وأنت حل) وقيل فيها قولان:

الأول: أن يكون حل اسم مصدر أحل، أي أباح، فالمعنى وقد جعلك أهل مكة حلالا بهذا البلد الذي يحرم أذى صيده وعضد شجره، وهم مع ذلك يحلون قتلك وإخراجك، قال هذا شرحبيل بن سعد فيكون المقصود من هذا الاعتراض لفت الانتباه إلى المعنى العجيب في مضمون الجملة ويكون المعنى: وأنت حلال منك ما حرم من حق ساكن هذا البلد من الحرمة والأمن.

والمعنى التعريض بالمشركين في عدوانهم وظلمهم الرسول صلى الله عليه وسلم في بلد لا يظلمون فيه أحدا. والمناسبة ابتداء القسم بمكة الذي هو إشعار بحرمتها المقتضية حرمة من يحل بها، أي فهم يحرمون أن يتعرضوا بأذى للدواب، ويعتدون على رسول جاءهم برسالة من الله.

الثاني: أن يكون حل اسما مشتقا من الحل وهو ضد المنع، أي الذي لا تبعة عليه فيما يفعله. ويكون المعنى: ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل أو أنت في حل ممن قاتلك أن تقاتله مهما تمكنت من ذلك والمقصود من هذا الاعتراض بهذا المعنى في هذه الحالة: تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم قدمت له قبل ذكر إعراض المشركين عن الإسلام، ووعد بأنه سيمكنه منهم.

فيصدق بالحال والاستقبال ولا تنافي بين المعنيين بل حمل الكلام على وجوهه المقبولة أمر وارد وهو من إعجاز اللفظ القرآني.

وعلى كلا الوجهين في محمل صفة حل هو خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد خصصه النبيء صلى الله عليه وسلم بيوم الفتح فقال: «وإنما أحلت لي ساعة من نهار»

 

2015-01-09 18h10 51

9-   أليس من الممكن جعل كلمة حل بمعنى حال أي مقيم؟

حكي أن معنى وأنت حل بهذا البلد أنه حال، أي ساكن بهذا البلد وهو يقتضي أن تكون جملة وأنت حل في موضع الحال من ضمير أقسم فيكون القسم بالبلد مقيدا باعتبار كونه بلد محمد صلى الله عليه وسلم، وهو تأويل جميل لو ساعد عليه ثبوت استعمال حل بمعنى: حال، أي مقيم في مكان فإن هذا لم يرد في كتب اللغة ولا يقال:  لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة، لأن المرجع في إثبات اللغة إنما هو كتب أئمتها.

10- لم لم يذكر صفة للبلد الأمين مثلا كما في سورة التين؟

لأن جو السورة كلها فيه ذكر للمكابدة والمشقة واستحلال الحرمات وما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا البلد وليس في السورة مجال لذكر الأمن، فالرسول والصحابة ليسوا آمنين في هذا البلد والرسول صلى الله عليه وسلم حلٌ يفعل ما يشاء يوم الفتح فارتفعت عن البلد صفة الأمن في هذه السورة، فجو السورة كلها من أولها إلى آخرها ليس فيه أمن وأمان حتى في نهاية السورة لم يذكر جزاء المؤمنين (أولئك أصحاب الميمنة) إنما اكتفى تعالى بذكر جزاء الكافرين (والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة). لا يوجد أمن في البلد ولا الجو العام في السورة فيه أمن.

11- ما وجه تكرار كلمة البلد؟

التكرار بشكل عام يقصد به التأكيد أو التعظيم أو التحسر أو التهويل ومع أن الأصل أن لا يكرر اسم البلد مرة أخرى لكنه أظهر مع أن المقام مقام إضمار بقصد التعظيم ، ولقصد تأكيد فتح ذلك البلد العزيز عليه والشديد على المشركين أن يخرج عن حوزتهم على المعنى الثاني

وهناك معنى لطيف فالله عندما أحل البلد لنبيه صلى الله عليه وسلم صار حلالا بعد أن كان حراما لا يسفك فيه دم ولا يروع فيه آمن فكأنه صار بلدا غير البلد الأول فكرر الكلمة لتكرار الوصف

12- ما وجه تنكير كلمة والد وذكرها بهذا الصياغة دون غيرها؟

( والد ) وقع منكرا فهو تنكير تعظيم ، إذ لا يحتمل غير ذلك في سياق القسم ، فتعين أن يكون المراد والدا عظيما والراجح حمل والد على المعنى الحقيقي بقرينة قوله وما ولد.

13- من هو المراد بكلمة والد؟

المقصود بوالد أمران مباشر وغير مباشر:

الأمر الأول وهو المباشر: والذي يناسب القسم بهذا البلد أن يكون المراد ب والد إبراهيم عليه السلام فإنه الذي اتخذ ذلك البلد لإقامة ولده إسماعيل وزوجه هاجر قال تعالى: وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام  ثم قال: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . وإبراهيم والد سكان ذلك البلد الأصليين قال تعالى: ملة أبيكم إبراهيم ، ولأنه والد محمد صلى الله عليه وسلم.      

وأما المعنى غير المباشر: فهو معنى عام فيشمل كل والد وما ولده وسيأتي لاحقا مناسبة ذلك للمقسم عليه

14- ما المقصود بقوله وما ولد؟

المقصود هم ذرية إبراهيم الموجودون في هذا البلد والذين بقوا على دينه الحنيف ومحمد صلى الله عليه وسلم منهم على المعنى الأول وعموم المولودين على المعنى الثاني

15- ما وجه الإتيان بالاسم الموصول ما بدلا من من؟

الأصل هو استخدام اسم من لأنها مختصة بالذكور العاقلين وأما ما فتشمل العاقل وغيره فعدل عن (من) لأن ما أشد إبهاما، فأريد تفخيم أصحاب هذه الصلة فجيء لهم بالموصول الشديد الإبهام لإرادة التفخيم، ونظيره قوله تعالى: والله أعلم بما وضعت يعني مولودا عجيب الشأن. ولأن قوة الإبهام في ما أنسب بإرادة الجماعة دون واحد معين، ألا ترى إلى قول الحكم الأصم الفزاري:

اللؤم أكرم من وبر ووالده ... واللؤم أكرم من وبر وما ولدا

يريد ومن أولاده لا ولدا معينا.

16- ما هي مناسبة القسم بإبراهيم وذريته ممن هم على دينه؟

وفي هذا تعريض بالتنبيه للمشركين من ذرية إبراهيم بأنهم حادوا عن طريقة أبيهم من التوحيد والصلاح والدعوة إلى الحق وعمارة المسجد الحرام قال تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا .

17- من هو المراد بقوله الإنسان؟

الظاهر أن المراد عامة جنس الإنسان ويكون المراد به خصوص أهل الشرك لأن قوله: أيحسب أن لن يقدر عليه أحد إلى آخر الآيات لا يليق إلا بأحوال غير المؤمنين

18- ما هو عدد المؤكدات لجواب القسم؟

جاءت مع جواب القسم أربع مؤكدات الأول: القسم والثاني: اللام والثالث: قد والرابع: إيراد الفعل بصيغة الماضي وهذا يدل على تؤكد الصفة وحدوثها.

19- ما وجه استخدام الحرف في للتعبير عن كون الإنسان في مشقة؟

في تفيد الظرفية وكأن التعب محيط بالإنسان من جميع جوانبه ومستغرق لجميع حياته فالإنسان في بطن أمه في كبد ولادته في كبد وتربيته في كبد معيشته في كبد إلى أن يقتحم العقبة أو لا يقتحمها ثم يموت ثم في حساب القبر ثم في حساب آخر فكل حياته تعب ونصب ومكابدة أو المقصود أن الحياة كلها منغصات وحتى المؤمن يرضى وهو يعايش كثيرا من المصائب والمكابدات لكنه يرضى لأن الله أمره أن يرضى

20- ما المقصود بالكبد هنا؟

الذي يظهر أن المراد بكبد هنا أمران:

معنى مباشر وهو المناسب للقسم: أن الكبد التعب الذي يلازم أصحاب الشرك من اعتقادهم تعدد الآلهة. واضطراب رأيهم في الجمع بين ادعاء الشركاء لله تعالى وبين توجههم إلى الله بطلب الرزق وبطلب النجاة إذا أصابهم ضر. ومن إنكارهم البعث بعد الموت مع اعترافهم بالخلق الأول وهذا واضح في ذكر مكة وما فيها من الأصنام على الرغم من وجود البيت العتيق فيها ومناسب أيضا لذكر إبراهيم عليه السلام وهو الذي اشتهر بالحنيفية السمحة وعداءه لعبادة الأصنام.

معنى غير مباشر: وهو معنى عام ويشمل جميع الناس هو الإنسان في بطن أمه في كبد ولادته في كبد وتربيته في كبد معيشته في كبد إلى أن يموت ثم في حساب القبر ثم في حساب آخر فكل حياته تعب ونصب ومكابدة أو المقصود أن الحياة كلها منغصات وحتى المؤمن يرضى وهو يعايش كثيرا من المصائب والمكابدات لكنه يرضى لأن الله أمره أن يرضى ويمكن أن يؤخذ هذا من جو مكة وطبيعتها الصعبة المليئة بالجبال وكذلك من حال الوالد إبراهيم وما قاساه في حياته على الرغم من كونه من أهل الإيمان

ويكون قوله: لقد خلقنا الإنسان في كبد دليل تجهيز وتهيئة وتوطئة لما بعده 

 

 

2015-01-09 18h11 17

 

 

 

 

Map Shot 3

 

 

  • Created on .