المقطع الثاني: توبيخ وتقريع

1-   من المخاطب بقوله أيحسب؟

هو موجه للإنسان عموماً فالإنسان الذي خلقه الله تعالى مكابداً للشدائد ينبغي أن يكون قادراً على تحمل الشدائد فالذي خُلق صلباً شديداً مكابداً أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وهذا الحسبان يكون في نفوس البشر لأن البشر يظنون أن لن يقدر عليهم أحد فيظلم بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض. فالبشر يرون أن لن يقدر عليهم أحد والذين يستضعفون المؤمنين يظنون أن لن يقدر عليهم أحد.

2-   ما وجه ذكر هاذين الأمرين القدرة والإنفاق؟

هذان الأمران هما من أكثر ما يشعر الإنسان بالبطر وهما: نعمة القوة الجسدية أو العقلية ونعمة المال.

3-   ما معنى القدرة في قوله أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وما علاقة ذلك بالكبد؟

القدرة بحسب معنيي الكبد لها معنيان لأن هاتان الآيتان بدل اشتمال من الآية الأخيرة

فعلى المعنى الأول: أيحسب أن لن نقدر عليه بعد اضمحلال جسده فنعيده خلقا آخر، في كبد من العذاب في الآخرة لكفره.وبذلك يظهر موقع إدماج قوله في كبد لأن المقصود التنظير بين الخلقين الأول والثاني في أنهما من مقدور الله تعالى.

وعلى المعنى الثاني: فإن الإنسان لما صارع الحياة وكابد أعجب أنه يستطيع أن يصبر ويجاوز العقبات فهو معجب بقوته البدينة أو الذهنية فقال الآية أي لو تجاوز كل هذه المصاعب فهل يعتقد أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء ويتجاوز ما يشاء ويتبين هنا وجه ذكر القدرة سواء القدرة الجسدية أو العقلية.

4-   ما دلالة الاستفهام هنا؟

الاستفهام مراد به التوبيخ والتخطئة

5-   ما وجه استخدام الفعل حسب هنا؟

حسب بمعنى ظن للرجحان ولكن هناك فرقا بالمعنى بينهما فإن حسب القلبية بمعنى ( حَسَبَ) الحسي والذي منه الحساب وليس هذا مطابقا للظن بشكل كامل فالحسبان قائم على الحساب والنظر العقلي بخلاف الظن الذي يدخل على الذهن ويلابسه لأدنى سبب فكأنك أجريت عملية حساب فأدى حسابك إلى ذلك بخلاف الظن.

وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان قد قام بعملية حسابية فرأى الكافر على المعنى المباشر أنه لن يبعث من جديد وظن الإنسان بشكل عام على المعنى غير المباشر بما أوتي من نعم أنه يستطيع التغلب على كل العقبات التي ستواجهه بعد ما رأى من قوته

6-   ما دلالة استخدام الحرف لن هنا؟

الحرف لن يستخدم لنفي المستقبل ولا يلزم منه التأبيد على الراجح والفرق بينه وبين لا أنه آكد في المعنى، تقول: لا أفعل فإذا شددت تقول لن أفعل

7-   ما وجه استخدام كلمة أحد؟

كلمة أحد عامة أكثر من واحد فالواحد تنفي الواحد ولا تنفي الاثنان أو أكثر أما كلمة أحد فتعم أي شيء.

8-   ما وجه استخدم لفظ أهلك؟

هذا هو الموضع الوحيد الذي يستخدم فيه هذا اللفظ واستخدام هذا اللفظ يوحي بعدم المبالاة وكأن عنده مالا كثيرا وهذا القسم الذي ذهب منه لا يبالي فيه وقد كان أهل الجاهلية يتبجحون بإتلاف المال ويعدونه منقبة لإيذانه بقلة اكتراث صاحبه به، قال عنترة:

وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم

وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي

كما أن اختيار كلمة أهلكت في هذه السورة مناسب لجو السورة ومناسب لما تقدمها ولما يعانيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه في لحظات الشدائد التي أدت إلى إهلاك بعضهم ومناسب للعقبة ومناسب ليوم ذي مسغبة لأن الذين لم يطعموا في ذلك اليوم أهلكوا ومناسب مع أصحاب المشئمة الذين أهلكوا ومناسب لكل إنفاق بغير وجه مناسب لأنه يعتبر إهلاكاً للمال وليس إنفاقاً في الخير. إذن جو السورة هكذا في إهلاك المال بغير وجهه وكل السورة مشقة وإهلاك (الكبد، سلوك النجدين، اقتحام العقبة، المشئمة والمسغبة) فكان استخدام كلمة إهلاك أنسب وأفضل كلمة تؤدي المعنى المطلوب الذي يقتضيه جو السورة وسياق الآيات فيها.

9-   ما دلالة ذكر كلمة لبدا؟

كلمة لُبدا: لبد معناها الكثير المُجتمِع.

وفيها احتمالان: الأول: مفرد صيغة مبالغة (صيغة فاعل) مثل هُمز وحُطم الثاني: جمع (لُبدة) مثل نقطة نقط.

وكلمة لبدا ليس معناها الكثير فقط لكن الكثير المجتمِع وهي مناسبة لاجتماع الكفرة على الرسول صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى في سورة الجن (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لُبدا) وهو مناسب للإهلاك وجو الاجتماع في أكثر من موطن في جو السورة (ووالد وما ولد، العينين في آلة الإبصار، اللسان والشفتين في آلة النطق، النجدين، تفسير العقبة بجملة أمور منها اجتماع الذين آمنوا على التواصي بالحق والتواصي بالمرحمة، واجتماع الكفرة في النار واوصاد النار عليهم) لو قال تعالى (كثيرا) لا يؤدي المعنى المطلوب لجو الاجتماع في السورة. الكثرة لا تنفي الاجتماع لذلك اختيار الإهلاك واللبد متناسب جداً من الناحية البلاغية والفنية لجو السورة.

10- ما وجه ذكر الرؤية بعد ذكر المال؟

لها وجهان:

الأول: قوله أهلكت مالا لبدا يصدر منه وهو يحسب أنه راج كذبه، على جميع الناس وهو لا يخلو من ناس يطلعون على كذبه قال زهير:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم

الثاني: في مسألة النية والمعنى أيحسب أن لا أحد مطلع على نيته فيما يفعل من إهلاك المال هل أراد بذلك وجه الله أم أراد بذلك التفاخر بعدم اكتراثه بالمال.

11- ما وجه ذكر فعل القدرة بصيغة المضارع والرؤية بصيغة الماضي؟

ذكر القدرة لأن الحسبان هنا مستمر طالما كانت معه القوة فعبر عن ذلك بالفعل المضارع الذي يفيد الحدوث والتجدد بعكس الرؤيا لأنها تناسب الفعل ( أهلكت ) الذي جاء بصيغة الماضي أي لم يره أحد حال إهلاكه لهذا المال.

  • Created on .