المقطع الثالث: النعم التي اغتر بها الإنسان

1-   ما وجه ذكر هاتان النعمتان البصر والكلام؟

ذكر الأولى لأنها طريقة اكتساب المعلومات والثانية لأنها طريقة نقل المعلومات ومناسبة ما سبق للمعنى الأول: أنه خلق مشاعر الإدراك التي منها العينان، وخلق آلات الإبانة وهي اللسان والشفتان، فكيف يكون مفيض العلم على الناس غير قادر وغير عالم بأحوالهم وقادر على خلقهم مرة أخرى يوم الدين.

وعلى المعنى الثاني: لولا هاتان الأداتان لزاد كبده في اكتساب المعلومات أو إيصالها بالإشارة مثلا فأذهب الله عنه الكبد بهاتان النعمتان  كما أن هاتان النعمتان مما لا يمكن اكتسابه بالمال وهما من أبواب القوة فناسب ذكرهما هنا.

ونلاحظ تناسب الكلمات: جاءت كلمة عينين وهما أداة الرؤية مقابل قوله تعالى (أيحسب أن لم يره أحد) وجاءت كلمة لساناً وشفتين مقابل قوله تعالى (يقول أهلكت مالاً لبدا) واللسان والشفتين هما أداة النطق. فكأنما سبحانه وتعالى جعل الدليل على علمه وقدرته بما أعطاه للإنسان من وسائل ليستعملها.

2-   ما معنى الاستفهام هنا؟

يجوز أن يكون انكاريا أو تقريريا وهو الذي لا يملك صاحبه إلا أن يقر بما سبق

3-   ما وجه ذكر العينين بدلا من عين واحدة ؟

لأن العين الواحدة قد تكون مذمة فذكر كمال الجمال في كونهما اثنتين وابتدأ بهما لأهميتهما ومكانتهما لدى الإنسان كما أنهما مناسبتان لقوله سابقا ( أيحسب ألم يره أحد)

4-   ما سر ذكر الجعل؟

الجعل دون الخلق يدل على الصيرورة والمهلة وهذا مناسب لمراحل تكون البصر والسمع عند الإنسان حيث لا يكون شيئا ثم يشقه الله فيتكون شيئا فشيئا على مهل.

5-   ما سر ذكر الشفتين مع اللسان؟

من دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة كلام العرب أن يقتصروا عليه يقولون: ينطق بلسان فصيح، ويقولون: لم ينطق ببنت شفة، أو لم ينبس ببنت شفة، لأن المقام مقام استدلال فجيء فيه بماله مزيد تصوير لخلق آلة

6-   ما وجه ذكر النجدين بعد ذكر العينين واللسان والشفتين؟

أعقب ما به اكتساب العلم وما به الإبانة عن المعلومات، بما يرشد الفكر إلى النظر والبحث وذلك قوله: وهديناه النجدين فاستكمل الكلام أصول التعلم والتعليم فإن الإنسان خلق محبا للمعرفة محبا للتعريف فبمشاعر الإدراك يكتسب المشاهدات وهي أصول المعلومات اليقينية، وبالنطق يفيد ما يعلمه لغيره، وبالهدي إلى الخير والشر يميز بين معلوماته ويمحصها.

7-   ما وجه التعبير بالنجدين عن طريق الشر والخير؟

هنا الموضع الوحيد الذي ذكر فيه النجد للتعبير عن الطريق واختيار هذه اللفظة دون غيرها مناسب لجو السورة العام المليء بالمشقة والمعاناة والمناسبة لها وجهان:

الأول: صعوبة اتباع أحدهما وهو الخير فغلب على الطريقين

الثاني: أن كل واحد صعب باعتبار، فطريق الخير صعوبته في سلوكه، وطريق الشر صعوبته في عواقبه، ولذلك عبر عنه بعد هذا بالعقبة

ولم يذكر هنا كلمة السبيل لأن السبيل هو الطريق الواضح السهل الميسر الذي يكثر فيها السير

وأما قول القائل أن النجدين هنا بمعنى الثديين فبعيد لا يحتمله السياق.

 

Map Shot 3

  • Created on .