أسرار تكرار القصص

Slide72

 

وقد نبه البقاعي إلى ذلك فقال : ( وبه يتبين لك أسرار القصص المكررات و أن كل سورة أعيدت فيها قصة فلمعنى ادعى في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة غير المعنى الذي سيقت به في السورة السابقة ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنها لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة ) فالقصة في كتاب الله إنما تساق لتفيد عبرة من العبر ولكل قصة عبر ودروس ودلالات كثيرة والقرآن يورد في كل موضع مشاهد من القصة تناسب الموضع الذي جاءت فيه ويشهد للمقصود الذي تهدف إليه سوابقها ولواحقها من آيات السورة

فكل سورة لها هدف خاص وشخصية متميزة وجميع ما تشمله من معان جزئية ومحاور صغرى تتجه لخدمة هدف السورة وتتأثر في صياغتها التعبيرية بروحها ومن ثم فإن أي نص من نصوص القرآن ولو بدا متشابها يصطبغ بجو السورة التي يرد فيها تكون له حينها ملامح خاصة تميزه عن نظائره وقد ضرب البقاعي مثالا لذلك فقال ( ولأجل اختلاف مقاصد السورة تتغير نظوم القصص وألفاظها بحسب الأسلوب المفيد للدلالة على ذلك المقصد مثاله ( مقصود سورة آل عمران التوحيد ومقصود سورة مريم شمول الرحمة فبدئت آل عمران بالتوحيد وختمت بما بني عليه من الصبر وما معه مما أعظمه التقوى وكرر ذكر الاسم الأعظم الدال على الذات الجامع لجميع الصفات فيها تكريرا لم يكرر في مريم فقال في قصة زكريا عليه السلام ( كذلك يفعل الله ما يشاء ) وقال في مريم ( قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) وكل ذلك بعد أن افتتح السورة بذكر الرحمة لعبد من خلص عبده وختمها بأن كل من كان على نهجه في الخضوع لله يجعل له ودا وأنه سبحانه يسر هذا الذكر بلسان أحسن الناس خلقا وخلقا وأجملهم كلاما وأحلاهم نطقا وكرر وصف الوصف بالرحمن وما يقرب منه من صفات الإحسان من الأسماء الحسنى في أثناء السورة تكريرا يلائم مقصودها ويثبت قاعدتها وعمودها )

ولأن التكرار مدخل يدخله الطاعنون في إعجاز القرآن فإن المفسرين المعاصرين التفتوا إلى هذا الملحظ واستثمروا وحدة نسق السورة في توجيه تلك القصص ومنهم : سيد قطب وعزة دروزة وسعيد حوى وغيرهم ويبدو نضح هذه الفكرة عند سعيد بشكل كبير إذ لا ينفك في كل موضع وردت فيه قصة مكررة عن بيان كونها جاءت على ذلك النحو لتنسجم مع روح السورة ومقصودها فيقول مثلا ( وردت قصة آدم في سورة البقرة والأعراف مرة ثانية وقصة بني أسرائيل ترد في سورة البقرة وسورة الأعراف أيضا ولكنهما تردان في ضمن السياق الخاص لكل سورة بما يخدم هذا لاسياق فمثلا في سورة البقرة تخدم سياقها الخاص وهو اعبدوا فهي نموذج الانحراف عن الأمر وما يترتب عليه وكيف ينبغي أن يفعل الإنسان ليتخلص من مخالفته أما قصة آدم في سورة الأعراف فهي تخدم موضوع الاتباع وما يترتب عليه والكفر وما يترتب عليه ) 

  • Created on .