محمد دراز

Slide54

 

ولكن أحسن من استشعر وحدة النسق القرآني واستدل لها وأطنب في إثباتها وعمد إلى إبرازها تطبيقيا في إحدى سور القرآن الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم حيث توخى بيان حسن التأليف في السورة الواحدة التي تتنوع فيها الموضوعات باعتباره أحد وجود الإعجاز فبين أن القرآن كان ينزل منجما حسب الوقائع والدواعي المتجددة وأن الانفصال الزمني بينها واختلاف دواعيها كانا داعيين إلى ضعف الترابط وعدم الانسجام ومع ذلك فإن تدبر أي سورة يوقفك على جليل الالتحام وبديع التناسق بصورة لا تعرف منها أأنزلت في نجم واحد أو في نجوم شتى فقال :

وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول فلا تزال تنتقل بين أجزاءها كما تنتقال بين حدرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام والاتحام كل ذلك بغير تكلف ولا استعانة بأمر خارج المعاني أنفسها وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد )

ثم بين دراز أن الصلة بين أجزاء السورة لا تعني اتحادها أو تماثلها أوما إلى ذلك بل إن القرآن سلك في الانتقال من معنى إلى أخر مسالك شتى فتراه تارة يجاور بين الأضداد فيبرز محاسنها ومساوئها وتارة يعمد إلى الأمور المختلفة من غير تضاد فيجعلها تتعاون في أ؛كامها بسوق بعضها إلى بعض مشاق التنظير أو التفريع أو الاستشهاد أو الاستنباط أو التكميل أو الاحتراس إلى غير ذلك وأحيانا يقرن بين معنيين في النظم لاقترانهما في الوقوع التاريخي أو الوضع المكاني استجابة لحاجات النفوس التي تتداعى فيها تلك المعاني )

وقد اختار سورة البقرة نموذجا على وحدة النسق في السورة القرآنية فهي أطول السور وأكثرها نجوما وأبعدها تراخيا وتلك دواع قوية لجعل نظم هذه السورة متباين المعاني متناثر الأجزاء ومع ذلك أثبت أن بين أجزائها وشائج قوية وأوضح أن بنيتها تتألف من مقدمة وأربع مقاصد وخاتمة 

  • Created on .