ملاحظات على كلام المتقدمين

Slide38

 

ومع أنهم كانوا يؤكدون أن فائدة هذا العلم هو جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء فإن قصارى ما كانوا يعمله أكثرهم هو التماس بعض أوجه الربط بين الآيات دون أن يضعوا أيديهم على الخيط الجامع الذي تنتظم فيه حبات عقد السورة وكانت عنايتهم بالمناسبات من باب استجلاء اللطائف التفسيرية التي يستدل بها على جمال القرآن وعلو نظمه باعتبار التناسب المعنوي من محاسن الكلام مما جعل علم المناسبات من ملح علم التفسير لا من متينه وقد أوغل في البعد عن تحقيق ثمرته حين صارت المناسبات حبيسة لبعض الاصطلاحات البلاغية والظواهر الأسلوبية كما تجده عند الزركشي 794 والسيوطي حيث يتحدثون عن التناسب حديث البيانيين ويتسعرضون أساليب الربط بين الآيات كالتنظير والمضادة والاستطراد والتذييل والعطف والالتفات والاعتراض وغيرها وعلى هذا النحو سار محمد الطاهر بن عاشور في بيانه التناسب حيث يوظف مبحث الجمل من النحو ومباحث الفصل والوصل والاستئناف البياني والابتدائي من البلاغة وغير ذلك ويغرق المناسبات في سيل من المصطلحات الأسلوبية .

ومن جهة أخرى لم تخل بعض المناسبات التي ذكرها البعض من شيء من التكلف والتمحل وذلك لخفاء وجه التناسب ودقته في كثير من الآيات واعتمادهم في بيانها على مجرد الرأي والذوق وذلك مما جعل بعض العلماء كالعز بن عبد السلام 660 يشترط أن تلتمس المناسبة في كلام متحد يرتبط أوله بآخره فإن وقع الكلام على أسباب مختلفة لم يلزم في رأيه أن يكون أحد الكلامين مرتبطا بالآخر .

وبالغ الإمام الشوكاني 1250 فعد علم المناسبات علما متكلفا ليس من روائه فائدة وأنحى باللائمة على المفسرين الذين اشتغلوا به وأطال الاحتجاج في إبطال هذا المسلك . ولكن إنكاره محمول على أوجه التناسب البعيدة إذ هو نفسه كان يذكر في تفسيره بعض المناسبات القريبة حين بيان علة انتقال سياق الآيات من موضوع إلى آخر

ومرد هذا النقد أن معظم المفسرين الذين اعتنوا ببيان المناسبات كانوا يصرفون أنظارهم إلى التناسب بين الآيات معتمدين على السياق القريب دون أن ينظروا إليها نظرة شمولية يشرفون فيها على بناء السورة ليبصروا موقع كل قضية تناولتها من نظامها الكلي الذي وضعت عليه في جملتها وهذا ما جعلهم يذكرون أحيانا مناسبات بعيدة وأوجها ضعيفة لا تبرز التحام الآيات واتساق معانيها وإنما تزيدها تفككا وانفصالا ومن ثم لم تحقق تلك المناسبات ثمرتها المرجوة منها لأنها كانت منفصلة عن غرض السورة المحوري الذي تشتبك حوله سائر موضوعاتها .

أول من صرح بعلاقة المناسبات الوثقى بمقصود السورة العام هو أبو الفضل المشذالي البجائي 865 الذي أخذ عنه البقاعي المنهج الأمثل في التوصل إلى أوجه التناسب بين الآيات وقد نص على ذلك في مطلع تفسيره للفاتحة 

  • Created on .