تلخيص سريع - د.عابد السعدون

أعد الملخص : الدكتور / عابد السعدون .. وفقه الله .

حرص الاستعمار الأجنبي على تقسيم العالم العربي وأن يكون ذلك التقسيم محققاً لمصلحته، وعندما ورثت أمريكا والإتحاد السوفيتي التركة العربية من فرنسا وبريطانيا ظهر ما يمكن تسميته ميثاق غير مكتوب بين الغرب والنظم العربية الاستبدادية لقمع أي ظاهرة إسلامية مقابل الدعم المالي والسياسي والعسكري. ومع نجاح ذلك الميثاق على المدى القريب والمتوسط إلا أن الغرب ظهر له بأن المشكلة والتحدي الكبير يكمن في الثقافة الإسلامية ذاتها والذي يعد الدين أكبر مكوناته، وتبين لهم بأن الاستبداد يعتبر مغذياً للعنف الإسلامي تجاه الغرب، وبالتالي فلابد من اللعب على تناقضات التكوين الاجتماعي داخل كل دولة بهدف التفتيت والتقسيم، واستحداث كيان شرق أوسطي جديد بديل عن العالمين العربي والإسلامي، والدفع بمصطلح الفوضى الخلافة لنشر الديمقراطية على الطريقة الأمريكية، ولتكون الحرب بعد ذلك حرب أفكار ونشر قيم الحرية والديموقراطية الغربية، وهو من سيستأصل الإرهاب والتطرف، يمكن من خلاله دمج وتطبيع دولة الصهاينة مع العالم العربي في هذا الكيان الجديد .

وبناءً على ما خلص إليه الغرب من أن النظم الاستبدادية والثقافة الإسلامية هما سببا الإرهاب والعنف، وجد أن الخيار الجديد، وهو ما يسميه (الإسلام المعتدل) أو (الإسلاميون الجدد)، يمكن من خلاله تقديم القيم الليبرالية الغربية في وعاء إسلامي قادر على حل إشكالية الاستبداد وتخفيف احتقان الشعوب وتوجيه اهتمامهم لأمور بلدانهم الداخلية، لأن المعادلة السياسية تقتضي أن تصفية وإزالة الأنظمة المستبدة وترك الخيار للشعوب سيفضي إلى انتخاب حكومات متطرفة، في حين أن الاستمرار في دعم الحكومات المستبدة سيفضي كذلك لحكومات متطرفة، فجاء هذا الخيار كحل لهذه المعضلة. ولا يمكن إغفال أن تركيا بالنسبة للغرب تمثل أنموذجاً يوضح إمكانية التعايش بين الإسلام والديموقراطية العلمانية، وبالتالي فإنه يراد لها أن تلعب دوراً محورياً في المنطقة العربية قد لا يكون له علاقة بما تأمله الشعوب العربية إلا بالقدر الذي يتوافق مع المصلحة التركية القومية، والتي تنتظم بالنهاية ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير والمصالح الغربية، وهذا ما ينبغي الحذر له، مع تثمين مواقفها الإيجابية التي تشكر عليه. وهذا (الإسلام المعتدل) أو (الإسلاميون الجدد) وضع لهم الغرب مواصفات ومعايير تتمثل في : قبولهم بالديموقراطية الغربية، قبولهم لمصادر التشريع الأخرى والقوانين وعدم التعصب لتطبيق الشريعة، احترامهم لقضايا المرأة والأقليات، ونبذهم للإرهاب والعنف.

ولقد وقعت الثورات العربية في خضم هذه التصورات، وإن كان لهذه الثورات ما يبررها شرعياً وسياسياً لما ابتليت به غالبية المجتمعات العربية بنظم نبذت شريعة ربها وقهرت شعوبها ونهبت ثرواتها، إلا أن هذه الثورات قد جاءت في هذه الفترة تحديداً بطريقة عفوية، وحدثاً متوقعاً لشعوب مستضعفة ومقهورة، ولكن في الوقت نفسه فإن الغرب قد توقع حدوث تغير في العالم العربي في أي وقت، ولهذا أعد عدته ومخططاته ليستثمر ويوظف هذه الثورات والتغيرات بما يخدم أهدافه وأطماعه.

وقد استطاع الغرب من خلال دراسته للظاهرة الإسلامية في العالم العربي أن يحدد من خلال طروحات بعض المفكرين الإسلاميين خلال الربع القرن الماضي ما يعده معالماً لمشروع الوسطية الإسلامية (الإسلاميون الجدد) وهي مواقفهم حول نقاط الاختلاف بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية الليبرالية لاسيما في الحقول التالية (حرية الفكر، الاقليات، الديموقراطية التعددية السياسية، قضايا المرأة وتوليها للحكم، الفنون)، والتي يظهر من خلال تمحيصها أنها رؤية توفيقية لهم بنيت غالباً على شذوذات علمية، وتأويلات محدثة للنصوص الشرعية لتتوافق مع المنظومة الفكرية الغربية، ومن أراد أن يحظى بهذا التوصيف (الإسلام المعتدل) فما عليه إلا أن يعبر من خلالها. ولقد كان لهذه المدرسة (الإسلاميون الجدد) سلف في بعض المشايخ والفقهاء الذي وظفهم المستعمر جسر عبور لأهدافه، في حين أن هؤلاء المشايخ كانوا يظنون أنهم يقومون بثورة تصحيحية في البلاد العربية، وأن تعاملهم مع المستعمر هو للإستفادة لتقوية وتحسين أوضاع البلاد العربية، ومن هؤلاء الشيخ محمد عبده –رحمه الله-، أحد رموز المدرسة التنويرية الإصلاحية والتي حاولت المواءمة بين المفاهيم الغربية الليبرالية والمفاهيم الشرعية، ومع خللها وأخطائها التي وقعت فيها إلا أن لها جهودها المشكورة في الدفاع عن الهوية الإسلامية والرد على الملاحدة وغلاة العلمانية. وفي حين أن المدرسة التنويرية في الزمن الماضي أدت إلى تسلل الأطروحات التنويرية لجسد الحركة الإسلامية، إلا أننا نجد أن تيار (الإسلاميين الجدد) في عصرنا يمتلك فضاء لاتكاد ترى ضوابطه وكوابحه بحيث يستوعب في مناشطه وخطابه طوائف عدة من خارج دائرة الإسلاميين من الليبراليين المهمومين بتجذير القيم الليبرالية الغربية، وفي ذات الوقت لاتكاد نرى لهم خصومة ظاهرة مع المعسكر العلماني إلا مع متطرفيه. ومما يجدر التنويه إليه أنه لا يمكن نسبة جماعة الإخوان والمسلمين برمتها إلى التيار التنويري أو الإسلاميين الجدد، وذلك لوجود تباين داخل الجماعة بين الخط الأصيل والخط التنويري، إلا أن الأخير قد يطغى داخل الجماعة وكذلك خارجها بسبب استحقاقات العمل السياسي الذي تتحكم فيه قيم الحداثة الغربية، إلا أنه ثمة مؤشرات وقرائن يمكن أن يتلمس منها المرء الفرق بين الاتجاهين، ومن ذلك : الهوية الفكرية للعلماء والمشايخ المحسوبين على الحزب، ومنهجية الكتابات الفكرية والعلمية لرجالات الحزب قبل وبعد الثورات، إقرار وقبول أحكام مناقضة لقطعيات الشريعة، والمضامين العقدية والأخلاقية للخطاب الانتخابي.

وأما الأسباب التي يمكن أن يعزى إليها عدم تفطن ووقوع الإسلاميين في مشروع الإسلاميين الجدد هي : قلة الخبرة السياسية، تضخم الخطاب الدنيوي على حساب الخطاب الديني، الاسترسال في التكييف اللامحدود مع افرازات الواقع، والخلل في منهجية الاستيعاب لدى بعض الحركات الإسلامية.

ومما بدأ يتجلى في الاتجاه التنويري الجديد أن خطابهم الإعلامي وإنتاجهم الفكري يكاد يخلو من التصدي للتيارات الليبرالية والعلمانية، وأصبح نقد السلفية المعاصرة وخلخلة الأحكام الشرعية المستقرة هو المظهر البارز الذي تراه حاضراً في خطابهم، في حين لايخفى غياب تيار فكري محسوب على الحالة الاسلامية وعلى هذا الخطاب الجديد عن أشرس هجمة للتغريب في بعض مجتمعات المسلمين، ولا تجد له موقفاً في ما يتعرض له المجتمع من اختراق تغريبي هائل لمنظومته القيمية والاسلامية.

وخطاب الإسلاميين الجدد لا يخلو من حمولة ايجابية تتمثل في نقدهم للظلم والاستبداد والدعوة إلى العدل والاتقان في العمل والانتاج والتطوير، والحث على ما يتعلق بالتعبد الفردي كالصلاة والصيام، وهذه الجوانب موافقة للشرع ونافعة للمسلمين ويشرع لكل مسلم التعاون معهم في هذه المجالات، لأن إختزال موقف عامة الإسلاميين الجدد في نقدهم، ورد كل مالديهم ينطوي على محذور شرعي له آثاره الضارة لأنه خلاف العدل المأمور به، وسيقضي كذلك لرد مالديهم من حق، وهذا كله لا ينافي مالديهم من حمولة سلبية متمثلة في تلك المفاهيم الشرعية التي سعى التنويريون لتأويلها تأويلاً شاذاً محدثاً لتتوافق مع المفاهيم الليبرالية. وينبغي أن تكون سبل التصدي لهذه الحمولة السلبية على مسارين : الأول: المباشر، بالرد على أفكارهم وآرائهم بعلم وعدل، والثاني : غير المباشر، بإبراز الخطاب الإسلامي الذي يعالج الواقع ويلبي احتياجات الناس كلها.

ومع كل ما ذكرناه عن الإسلاميين الجدد وخطابهم فإن ذلك لاينبغي أن يحمل المرء على التزهيد بالمشاركة السياسية لأن الاعتزال له ضريبة باهظة، مع التأكيد على عدم استهلاك الطاقات في ذلك، كما لا يفهم أن الخيار مقابل الخطاب التنويري الجديد هو حتمية الخيار القتالي فذلك له ضوابطه وفقهه المناسب، وأيضاً لا ينبغي أن ينزج أحدنا في عملية تخوين للإسلاميين الجدد، سواء في الجيل القديم الذي كان له صولات وجولات مشرقة في الذب عن الإسلام وشريعته، أو الجيل الجديد وخطابه الذي يتوافق مع الطرح الغربي، فتوظيف ماذكر للتخوين أمر خائب مجانب للصواب. ونظراً لكون حظوظ الإسلاميين الجدد نتيجة للدعم الغربي والدعم المتوقع من شرائح ليبرالية وعلمانية ستكون أقوى لتسلم السلطة، فيجب البحث عن سبل تقليل الآثار الفكرية السلبية الناتجة عن تسلم الإسلاميين للسلطة في بلدان الثورات العربية، ويمكن أن يكون ذلك عبر مسارين : الأول: المسار السياسي والذي يقتضي مشاركة فئة من الإسلاميين في العملية السياسية لإيجاد مظلة سياسية وقانونية لمشاريعهم الدعوية، والتحالف المؤقت مع بقية الأحزاب الإسلامية في موارد الاتفاق، ومن جهة أخرى يكون لها دور نقدي تصحيحي، والمسار الآخر: هو الدعوي إذ أنه المهمة الرئيسة، وهي امتداد لرسالة الأنبياء والرسل لتعبيد المجتمعات لربها إذ هو الغاية العظمى الذي قد يكون من وسائله في بعض الأحيان السبيل الأول، أي العمل السياسي.

وفي ومحاولة استشرافية لما نتوقع أن يحصل في المجتمعات العربية أن تدور معركة سياسية وفكرية قطبها الأول الإسلاميون الجدد الذي يتبنون مدرسة التنوير الإسلامي، وهم القوة الفاعلة لحراك التغيير لما تملكه من مصادر أربعة تتلخص في: الدعم الحقوقي والإعلامي الذي سيحظى به هذا التيار من طرق شتى، والدعم السياسي والإعلامي الذي ستكفله لهم بلدان الثورات العربية إضافة للمساحة الإعلامية الحرة، والليبراليون المستقلون، والأقليات المذهبية الطائفية التي ستركب موجتهم. وأما القطب الآخر فسوف يكون مع النظم الشمولية بأدواته التي سيوظفها لإسقاط الإسلاميين الجدد والتي تتلخص في : النخب العلمانية التي تمسك بناصية عدد من المؤسسات الإعلامية التي ترى في القطب الأول تهديداً لامتيازاتها ومكانتها، والتيارات الدينية التي لديها حملة نقدية عنيفة ضد الحركات الإسلامية، والمنابر الإعلامية المتخصصة في التصدي للخطر الصفوي الإيراني بحجة تساهلهم مع هذا الخطر.

ومما يحسن التنبيه له في كيفية إدارة هذه المعركة الفكرية ليستفيد منها أهل السنة والجماعة، وفي مقدمتهم السلفيون، الذين لا يتبنون محددات مدرسة التنوير الإسلامي مايلي:

1- فهم الخريطة السياسية والفكرية لكل بلد على حدة، فإن المجتمع كلما كان أكثر تديناً ومحافظة كلما كان الطرح التنويري أكثر خطراً، والعكس صحيح.

2- قل الحق تاماً دون تردد أو تهور، وذلك حتى لا تقع أداة وظيفية في الصراع المرتقب بين النظم الشمولية والإسلاميين الجدد، فالنجاة من هذا هو القيام بالواجب الشرعي تجاه كلا الطرفين، وقول الحق تاماً وهو العدل في نقد الطرفين نقداً واعياً ناضجاً يجمع بين تحديد مواطن الخلل، والتأكيد على حفظ وحدة المجتمع وتماسك نسيجه الاجتماعي وهويته الشرعية.

3- لتكن مادة الخطاب الاصلاحي مستقاة من المخزون السياسي والحقوقي في الكتاب والسنة، مع الاستفادة من الأفكار والإجراءات والآليات التي أبدعتها العقل البشري، وأن لا يخجل خطابنا الإصلاحي من منطلقاتنا وثوابتنا الإسلامية.

4- لا تنفرد بالاصلاح الحقوقي وكن شريكا، إذ أنه من الضروري أن يكون الخطاب الإسلامي الإصلاحي شريكاً وموازياً دون ابطاء أو اندفاع مع مجمل الحراك الاصلاحي في المجتمع، والشراكة تستهدف دائرة المشتركات الإصلاحية، لأن الانفراد قد يكون فيه مغامرة غير مأمونة العواقب لافتقارها لغطاء دولي سياسي واعلامي داعم وكذلك لافتقارها في الوقت الراهن لإجماع شعبي مؤثر.

  • Created on .