الطّلاق النّفسيّ العاطفيّ "الوباء المخفيّ"

بقلم الاختصاصي النفسي والاجتماعي ماهرشبانه



هي تزوّجتهُ لأجل كلّ شيء وهو تزوّجها لبعض الشّيء. أمّها تزغرد, ووالده يفتخر بفحولةِ ولده. لمَ لا! وبيت الكبريت أصبح جاهزاً ليسكنَه عصفوران سيتحوّلان يوماً ما لطيرين جارحين يشعلان كبريت الأيّام، ويحرقان ما تبقى من أعوادِ ثقابٍ كانت تضيء عشّهما في ليل العاطفة.

كما تجرّأنا وقلنا أنّ الزّواج "مؤسّسة", سنتجرّأ اليوم ونتحدّث عن الفساد العاطفيّ والنّفسيّ الّذي حوّل هذه المؤسّسة إلى مدفنٍ للسّلع العاطفيّة المنتهيةِ الصّلاحية الّتي يتناولها أطفالُ المستقبل على مهلٍ، ليُتخموا بها عسى أن يكونوا قرباناً لعلاقةٍ عاطفيّةٍ بين زوجين لم يعترفا يوماً بميثاقها النّفسيّ، ولا ببراءة الحبّ لأكثرَ من شهر عسلٍ ما كان في مثل هذه الحالة, أكثرَ من نزوةٍ مُستديمة.

نعم.. هو الوباء المخفيّ "الطّلاق النّفسيّ"

تحدّثني عن أرقامِ ونسبِ الطّلاق الرّسميّة المرتفعة والمعلنة الّتي تحدث في المحاكم. أحدّثكَ عمّا لا نسبة له، وعن غير المُعلن والأخطر والأعقد والأبشع والفاضح من كثرة ما أخفيناه.عن الطّلاق العاطفيّ أحدّثك. وأيّ قاضٍ يمكنه أن يحكم في مثل هذه الحالة؟ أيّ قاضٍ يمكنه أن يمنحَ العدالةَ لقضيّة إنسانيّةٍ خاسرةٍ بين طرفين عاجزين عن إجهار وجعِهما، ولم يفكّرا لوهلةٍ بإبرام صلحٍ يليق بكيمياء عاطفتهما.

هكذا تبدأ أزمة العلاقة الزّوجيّة, من أساسٍ يعود إلى بداية العلاقة العاطفيّة الّتي سبقتِ الزّواج، وإلى شكلِ اختيارِ الشّخص لشريكِ حياته؛ فمنهم من يختاره على أساس الجاه والمال، ومنهم على أساس الحبّ، ومنهم على أساس البروتوكولات الاجتماعيّة، ومنهم على أساس ردّة الفعل النّاتجة عن علاقةِ حبّ فاشلةٍ انتهت، وانتهى معها الحبّ ليصبحَ الزّواج خيارَها الأخير. و بعد العذاب في كنف الأهل، وتهديد تقدّم العمر، والكثير من الأسباب التي تصنع فكرةً قلقةً يتمّ على أساسها اختيار الزّوج، لتبدأ نتائجُها بالظّهور بعد أعوامٍ قليلة، وربّما تستعجل هذه الأعراض لتظهرَ في العام الأوّل للزّواج، وفي أغلب الأحيان بعد إنجاب الولد الأوّل, فتبدأ تراكمات التّوتّر، والمشاجرات، و علائم عدمِ أو انكسارِ التّكيّف بين الطّرفين في علاقتهما الخاصّة داخل أروقة غرفِ نومهم، أو في مناخ الأسرة أو حتّى مع المجتمع, يصبح التّنافر هو سيّد الموقف دون أدنى محاولةٍ بينهما ليتقابلان على طاولة الاعتراف والصّراحة ليصبح الطّلاق النّفسيّ أمراً لا مفرّ منه, ولو تثنّى لهما لأشْهرَا طلاقهما الرّسميَّ. لكنّ الكثير من الأسباب تمنعهما؛ فهناك واجهة اجتماعيّة ستلومهما، وهناك أولاد، وهناك ألسنةٌ بانتظارِ هكذا خبر، وخصوصاً من قبل الزّوجة، والتي حين تسمّى "مطلّقة" تصبحُ مرجومةً بالكلام حتّى يوم الدين.

يميّز المحلّلون النّفسيّون بين نوعين من الطّلاق النّفسيّ :

النّوع الأوّل؛ والّذي يتجلّى في الجفاف العاطفيّ بين الطّرفين، والانفصال النّفسيّ، وشيوع الصّمت، وغياب لغة التّواصل والحوار بينهما، والانسحاب من المُعاشرة الزّوجيّة، وغياب اللّين والرّفق، وحضور الشّجار لأتفهِ الأسباب حيث يعيشان كأنّهما جثّتان لا حياة تجمعهما. وهنا يكون الطّلاق العاطفيّ النّفسيّ معروفاً وواضحاً بين الطّرفين ويشتركان به.

أمّا النّوع الثّاني؛ يكون فيه الطّلاق النّفسيّ قائماً بين أحد الطّرفين دون علمِ الطّرف الآخر. وسببه هنا عدمُ شعور أحد الطّرفين بالرّضا عن العلاقة، أو ربّما قد تكشّفت خيانةُ أحدهما للآخر فيعجز الطّرف الآخر عن تقبّلِ شريكه الخائن. وفي الوقت ذاته يلوذ بالصّمت خشيةَ الوقوع في براثن الطّلاق وتبعاته، ولعلّ المرأة هي الأكثر حساسيّة لهذا النّوع من الطّلاق النّفسيّ، وهذا ما يفسّر لنا ميل الكثير من المتزوّجات للتّعرفِ على شبّانٍ جددٍ، وبناءِ علاقةٍ عاطفيّةٍ خارج المنزل، تحقّق وتعوض فيها المرأةُ كلّ ما حُرِمتْ منه في عشّ الزّوجيّة، كنوعٍ من التّرفيه النّفسيّ الّذي يحميها من لعنة الطّلاق النّفسيّ، ويؤمّن لها الاستمراريّة في كذبةِ الزّواج إلى ما لانهاية.

ولكنّ السّؤال الّذي يطرحه دائماً أصحاب هذا الوجع .. إلى متى؟

نرى كيف تملأ الشّيخوخة النّفسيّة والعاطفيّة قلوبَهم في عزّ الشّباب. فأيّ وباء قاتل هذا!!

بالطّبع هنا تعجز الكلمات عن خطّ الحلول, لما للمشكلةِ من تعقيداتٍ، ولاختلافها بين حالة وأخرى، وإنْ كان العنوان واحداً, ولهذا ما من وصفةٍ جاهزةٍ يمكن لشخصٍ أن يدّعي إمكانيّة وصفِها لمثل هذه الحالات الّتي تصبح غايةً في التّعقيد، وخاصّةً بعد أن يسري البرودُ واللّامبالاة في شرايين المشكلة حيث لا يمكن استئصال أيّ جزءٍ منها، حينها سيتوقّف قلبُ هذه العلاقة الميّتة سريريّاً .

لكن سنتحدّث عن بعض النّصائح الّتي يمكن أن تساعدَ في إشعال شمعةٍ بدربها المعتم:

لأنّ جوهرَ المشكلة هو انعدامُ التّواصل يمكنُ أنْ نعتبرَ أنّ بدءَ الحوار بين الزّوجين بشكلٍ جديدٍ، والّذي يجب أن يتضمّن الصّراحة والوضوح والمرونة, هو الخطوة الأولى لإعادة هيكلةِ العلاقةِ الزّوجيّة.

الابتعاد منذُ بداية العلاقة الزّوجيّة عن الحياة الرّوتينيّة، والّتي تُعتبرُ سبباً جوهريّاً في خلق جوّ البرودة بين الطّرفين، فالتّجديد في العلاقة الزّوجيّة، والغياب النّسبيّ للزّوجين عن بعضهما بهدف الاشتياق، سيكون له نتائجُ مهمّة.

احترام كلّ طرفٍ لمدى الحالةِ النّفسيّة الحاليّة للطّرف الآخر؛ الأمر الذي سيبعدُ العلاقة عن فخّ المُشاجرة أو الحساسيّة؛ الّتي في أغلب الأحيان يكون سببها فتح الحديثِ غيرِ المُناسبِ في الوقت غيرِ المناسب , والّذي يكون فيه أحدُ الطّرفين مُتعباً، أو محتاجاً للاختلاء بنفسه لبعض الوقت.

تفهّمُ كلّ طرف لطبيعةِ الطّرف الآخر سواء من النّاحية الجسمانيّة أو النّفسيّة أو الفكريّة أو السّوية الثّقافيّة والاختلاف في طبيعة أعمالهما؛ الأمر الذي يبعدهما عن سوء الظّنّ أو قلّة التّوافق أو انعدام التّقدير والاحترام لمهنةِ كلّ منهما.

لأنّ الرّجلَ يتبنّى قسوةَ الظّروف المعيشيّة وتأمين لقمة العيش، فعلى الزّوجة أن تكون أكثر دبلوماسيّة ومرونةً ليشعرَ الزّوج أنّها مصدرُ راحةٍ له، يمكن اللّجوء إليها دائماً، ممّا يشدّه إليها، ويجذبه لها.

على الزّوجين أن يتفهّما الحالة الجنسيّة القائمة بينهما وأن يتناقشا بها وأن تسودَ الصّراحة المُطلقة في هذا الجانب، لأنّه جانبٌ أساسيّ ومهمّ لديمومةِ العلاقة. ويجب تفهّم كلّ منهما لمتطلّبات الطّرف الآخر، ومحاولة رفع حالته العاطفيّة بهدف الابتعاد عن شرَكِ البرود العاطفيّ والجنسيّ.

والآن ..انزعا فتيلَ الطّلاق النّفسيّ والعاطفيّ معاً، وتحرّرا من المعتقدات الّتي تُسيطر عليكما وابتسما

ثمّ امنحا الحبّ وعداً جميلاً لأجل كلّ شيءٍ رائعٍ في هذا العالم..لأجل الحياة.

  • Created on .