الخشوع في الصلاة

تعريف الخشوع وداعيه :

لا شك أن لكل نتيجة سبب فإذا رغبنا بالحصول على أمر ما لا بد من توفير أسبابه فإذا كان الخشوع هو مطلوبنا فلا بد أن نوفر أسباب الخشوع حتى يرزقنا الله إياه .

( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ) هذه القاعدة الربانية يجب أن تكون حاضرة في ذهن كل مسلم إذ أن الله تكفل بهداية من صدقت نيته ووجد الخير في قلبه قال تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) فلا بد للمسلم أن يستحضر نيته وهي ( ابتغاء مرضاة الله ) وأن يكون صادقا في نيته وقصده فإن علم الله صدقه هداه ووفقه وليحذر أن يدخل في قلبه دخل فينقطع عليه الطريق فالله ( يعلم السر وأخفى )

فإن صدقنا في نيتنا لا بد بعدها من السعي في الأسباب العملية ليكتمل التوكل

بداية لا بد أن نعرف ما هو الخشوع :

الخشوع : هو لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقتهفمحل الخشوع هو القلب أساسا لذلك ينبغي على المصلي توجيه عنايته لقلبه أولا

فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له ( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله(

وأصل الخشوع في القلب يكون بمعرفة أمرين : معرفة الله ومعرفة عظمته وجلاله وكماله من كان بالله أعرف فهو له أخشعالثاني : التفكر في اليوم الآخر وأحواله وأهواله وفي قيامة الإنسان الصغرى ( الموت ) وحاله فيها

وكلا الأمرين يحصل بدوام الاتصال بكتاب الله تعالى : فمعرفة الله وصفاته وجلاله وكماله ونعمه إنما تكون بما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءة القرآن وتدبر معانيه والآيات النازلة في وصف الله والداعية إلى تعظيم قدره هو الطريق إلى تعظيم الله في النفوس كما أن معرفة اليوم الآخر وما سيجري فيه من افتراق بين أهل الكفر وأهل الإيمان وتخاصم أهل النار وما هم فيه من العذاب والحسرة ومعرفة نعيم الجنة وما أعد الله لأهلها فيه يكون بتدبر الآيات الواردة في وصف ما سبق .

عوامل تساعد على الخشوع :

مما لا شك فيه أن هناك بعض الأمور العملية التي لا بد للعبد من الإتيان بها لكي يتأتى له الخشوع كاملا وافيا في صلاته إضافة إلى ما سبق ذكره من اعتناء بمحل الخشوع وهو القلب ومن هذه الأمور :

1-الاستعداد للصلاة : وذلك بإتمام الطهارة وإسباغ الوضوء وما يتبعه من استعداد قلبي ونفسي للوقوف بين يدي المولى عز وجل

2-التزين والتطيب

3-السعي مبكرا إلى المسجد بسكينة ووقار

4-تخير المكان المناسب بعيدا عن الملهيات والمشغلات في حال أداء النوافل خارج المسجد

أهميته :

1-الصلاة ميزان فمن وفاها وفي له ومن طفف طفف عليه

ويـــــــل للمطففــــــــــين    سورة المطففون

توعد الله في هذه الآية المطففين الذين يستوفون حقوقهم كاملة من الناس ولا يوفون الناس حقوقهم توعدهم بالعذاب والويل

إذا كان هذا حال من يطفف على الناس فما بالك بمن يطفف في حق رب الناس ..

ثم إن الصلاة مردها إلى الإنسان ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) فالمطفف في صلاته إنما يطفف على نفسه لأنه سيرى بنفسه نتيجة إحسانه إو إساءته لربه فهل يمكن لعاقل أن يقبل بأن يغش نفسه ؟

2-من لا يتم الصلاة فهو على غير هدى محمد صلى الله عليه وسلم فمن مات لا يتم صلاته فلينظر أي طريق يتبع ؟

عَنْ حُذَيْفَةَ، " رَأَى  رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ، قَالَ: لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ « رواه البخاري

فالمتتبع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده يتبين له جليا أن الخشوع كان لب صلاتهم وروحها التي تسري بها فتحيى بها قلوبهم فمن اتبع غير هذا الهدي فقد اتبع غير هديهم وانقلبت صلاته تمارين رياضية يؤديها كل يوم

3-أخبر أنها حصن للعبد من الوقوع في حبائل الشيطان

وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ..

كثير منا يتساءل ما بال أقوام يصلون خمسهم وبعض منهم في المساجد ثم لا ترى أثرا لهذه الصلاة في أخلاقهم ومعاملاتهم ومواقفهم ؟ كيف يتأتى هذا وقد تكفل الله للمصلين أن ينتهوا عن الفحشاء والمنكر ؟ أليس الذي لا يصلي وهو صاحب خلق حسن ومعاملة طيبة أفضل من الذي يصلي مع سوء خلقه ومعاملاته ؟

الجواب : أن سبب الإشكال ناتج عن التعجل في المرور بكلام الله دون تدبر عميق فيظن الرجل أن مجرد (الصلاة) يكفي في إحياء واعظ الإيمان في قلبه والآية لم تنطق بهذا أبدا لأنها رتبت الانتهاء على (إقامة الصلاة) فالله لم يقل ( وصل إن الصلاة ... ) وإنما قال ( وأقم الصلاة إن الصلاة .. ) فإقامة الصلاة وأداؤها كما ينبغي مستوية مستقيمة بخشوعها وحضور القلب فيها وسكون الجوارح وتدبر ما يقوله العبد فيها من كلام ربه وأذكار مشروعة هو ما ترجى له نتيجة وأثر لا ما نراه من كثير من المصلين من حركات بلا روح .

ويبقى الذي يصلي مع سوء خلقه أفضل من الذي لا يصلي مع حسن الخلق لسببين : الأول : أن المطالبة سقطت عن الأول حيث صلى ولا زالت في حق الثاني حتى يصلي الثاني : أن العبرة بالخواتيم فلا ندري كيف سيختم لكل واحد منهما فعسى أن يتوب الله على المصلي ويرزقه حسن الخلق ولربما خذل الذي لا يصلي وابتلي بسوء الخلق في آخر أيامه .

4-يكتب للعبد من صلاته بقدر خشوعه..

عن عمار بن ياسر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الرجل ليصلي الصلاة وما يكتب له منها إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها )    رواه أبو داوود

هب أخي أنك تعمل بنفس الوظيفة ونفس الأداء مع شخص آخر ثم إن الآخر يتقاضى راتبا يعدل ضعف راتبك ؟ ألست تحس بالغبن ؟ فما باله يتقاضى ضعف ما أتقاضاه من أجر مع أن لنا نفس الجهد ؟

نفس الأمر في الصلاة فتجد الرجلين قد تطهرا نفس الطهور وسعيا إلى المسجد ووقفا خلف الإمام وتبعاه في حركاته كلها ثم تجد فرقا بين أجريهما كما بين السماء والأرض يوم القيامة أليس هذا غبن عظيم ؟ هل ترضى أن تأتي يوم القيامة وتجد نفسك في أقل الدرجات وجارك في الصف في أعلى عليين ؟

5-نقص الفرائض يسحب من رصيد النوافل

عن تميم بن أوس الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة قال : يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم : انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة وإن كان انتقص منها شيئا قال : انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع : قال : أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم .    رواه أبو داوود

6-بين أن صلاة العبد إنما هي لنفسه فلينظر كل ما يقدم لنفسه..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلميَوْمًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ، أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي، كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ " رواه مسلم

بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصلاة مردها إلى الإنسان نفسه ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ) فالذي لا يتم صلاته إنما يغش نفسه لأنه سيرى بنفسه نتيجة إحسانه إو إساءته فهل يمكن لعاقل أن يقبل بأن يغش نفسه ؟ هل يعقل أن تقلل من كمية الحديث أو الاسمنت في بيتك الذي تبنيه ؟ أو أن تكسو شقتك بمواد رديئة وتنفيذ سيء وأنت تدفع ثمن مواد جيدة وتنفيذ وفق الأصول ؟ لا شك أن هذا مما لا يرضاه عاقل .

درجاته ومراتبه

والناس في الصلاة على مراتب خمسة:

إحداها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها لكن قد ضيَّع مجاهدة نفسه بالوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول في مجاهدة عدوه لئلا يسرق من صلاته فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها لئلا يضيع منها شيء بل همّه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه سبحانه وتعالى ناظرًا بقلبه إليه مراقبًا له ممتلئًا من محبته وتعظيمه كأنه يراه ويشاهده فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض.

فالقسم الأول: معاقب، والثاني: محاسب، والثالث: مُكَّفر عنه. والرابع: مثاب. والخامس: مقرَّب من ربه لأن له نصبيًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة فاستراح بها كما كان رسول اللهrيقول: «أرحنا يا بلال بالصلاة» ويقول: «جعلت قرة عيني في الصلاة»، ومن قرَّت عينه بالله قرَّت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة وأسره الهوى ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكن فيه كيف يخلص من الوساوس والأفكار انتهى من كلام ابن القيم.

  • Created on .