انكشاف الحقائق في سورة الفجر

ما هي الأسماء الواردة فيها ؟

لم يختلف في تسمية هذه السورة «سورة الفجر» بدون الواو في المصاحف والتفاسير وكتب السنة.

مكان نزولها؟

هي مكية باتفاق

كم عدد آياتها ؟

عدد آيها اثنتان وثلاثون عند أهل العدد بالمدينة ومكة عدوا قوله: ونعمه [الفجر:15] منتهى آية، وقوله: رزقه [الفجر: 16] منتهى آية. ولم يعدها غيرهم منتهى آية، وهي ثلاثون عند أهل العدد بالكوفة والشام وعند أهل البصرة تسع وعشرون.

فأهل الشام عدوا بجهنم [الفجر: 23] منتهى آية. وأهل الكوفة عدوا في عبادي [الفجر: 29] منتهى آية.

هل ثبت شيء في فضلها ؟

لم يثبت في فضلها بخصوصها شيء.

ما هو مقصد السورة وما هي القرائن التي دلت على ذلك، وما مناسبة الاسم للمقصد؟

يمكن تقسيم هذه السورة بوضوح إلى مقاطع أربعة:

فالأول: يقسم الله فيه بأزمنة إهلاك الطغاة، على ما سيأتي في تفسير الأقسام الخمسة في بداية السورة.

وأما الثاني: ففيه حكاية حال هؤلاء وما أوتوا من القوة والجبروت حين أهلكهم الله.

وأما الثالث: ففيه تبيان لحال الإنسان حين تخفى عليه الحقيقة ويظن أن الكرامة والمهانة معلقة بالإعطاء.

وأما الرابع: فيقص علينا وقت انكشاف الحقيقة في مشهد مهيب من مشاهد يوم القيامة.

والذي يظهر لنا بعد التأمل أن مقصد السورة هو التركيز على انكشاف الحقائق مهما طال غيابها، فلا بد لها أن تظهر إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأن أسباب الكرامة إنما هي في طاعة الله عز وجل والإحسان إلى خلقه، فمن أخذ بأسباب الكرامة في الدنيا أورث كرامة أخرى يوم القيامة، ومن أخذ بأسباب المهانة عذبه الله عذابا شديدا في الدنيا وله في الآخرة عذاب النار، عذاب يظن معه ألا أحد أشد منه عذابا، يوم تتكشف الأمور على حقيقتها فتظهر الحقائق، يوم تصبح هذه الأرض هباء منثورا، ويقف الإنسان في موقف مهيب ينظر إلى ما قدمت يداه، نادما على ما كان منه من تفريط ولات حين مندم، وحينها تظهر حقيقة الكرامة والمهانة، فأما المهان على الحقيقة ففي عذاب لا يذوق أحد مثله، وأما المكرم على الحقيقة ففي طمأنينة وسكينة مع عباد الله في جنته.

فإن قال قائل ما مناسبة الاسم للمقصد؟

فالجواب أن الاسم في غاية المناسبة للمقصد، إذ إن الفجر وهو وقت طلوع الصبح وانتشار الضوء هو الوقت الذي تظهر فيه الأشياء والأمور على حقيقتها بعد أن كانت ملفوفة في ظلام دامس أسبغه عليها ليل طال ثم لم يلبث أن سرى، وكذلك حال الأشياء في الدنيا لا تظهر على حقيقتها وتبقى دهرا على ما هي عليه تغر كل ناظر ينظر إليها، فيمهل الله الظالم حتى يظن من حوله أنه تمكن، ويعطي عبادا ويمنع عبادا، فيظن أكثرهم ارتباط الكرامة بالعطاء، حتى إذا جاء أمر ربك بالعذاب في الدنيا أو قامت القيامة تكشفت الحقائق وظهرت، فموازين الله مختلفة عن موازين الخلق كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري عَنْ سَهْلٍ، قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟» قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» وكما جاء في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقْرَءُوا فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا» وكما جاء في الحديث الذي رواه كلاهما عن حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ " ومثل هذا كثير.

وأقرب آية في كتاب الله تعبر عن مثل هذا المعنى ما ورد في سورة مريم من قوله تعالى (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا) فذكر فيها النهايتان: الساعة والعذاب.

ففي هذه الآية جعل الوعد يتحقق بأحد أمرين: إما العذاب النازل في الدنيا كما حصل مع الأقوام المذكورة في السورة، وإما الساعة كما ذكر في آخر السورة، وصدق الله عز وجل حين وصف كتابه بأنه متشابه مثاني.

ما هي الحقائق التي وردت في هذه السورة وما هي الأمور التي غطت عليها وما هي الأوقات التي تكشفت فيها؟

ذكر في هذه السورة نوعان من الأمور التي تغطي عادة على الحقائق، أحدها على مستوى الأمم حيث تغتر هذه الأمم أو طواغيتها بقوتهم وما وهبهم الله من النعمة والقوة، فتسلبهم عقولهم وقلوبهم وتغشى أبصارهم، فيظنون أنهم معجزين، والثانية على مستوى الأفراد حيث يعتقد ارتباط الكرامة والمهانة بالعطاء المادي نتيجة انغماسه في هذه الدنيا المنقطعة، ولا يردعه في ذلك موت من حوله ونقصهم شيئا فشيئا، وأحيانا ينزل الله العذاب على أقوام فيرون الحقيقة في الدنيا عذابا يأتيهم فيهلكهم عن بكرة أبيهم، والقصص في ذلك كثيرة، وأحيانا يؤخر الله أقواما فتنكشف لهم الحقائق يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة يتمنون فيه لو أنهم قدموا ليومهم هذا ولات حين مناص.

كما أشارت الآيات إلى حقيقة غاية في الأهمية وجديرة كل الجدارة بالانتباه والاهتمام ألا وهي أن: (الحياة ابتلاء) بحلوها ومرها بعطائها ومنعها وهذا واضح في قوله تعالى ( ابتلاه، ابتلاه ).

وأخطر الحقائق وأكثرها إيلاما وخفاء عن الناس، أشارت إليها السورة هي ( ياليتني قدمت لحياتي) أي حين يعلم المرء أن الحياة الحقيقة ليست هي الدنيا التي يعيش بها وإنما هي الحياة الآخرة.

 

 

 

 

 

 

Map Shot 1

  • Created on .