(قسمٌ .. لعلهم يعقلون)

وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)

ما هو المراد بالفجر والليال العشر والشفع والوتر والليل إذا يسر؟

أقسم الله عز وجل بخمسة أقسام : أولها الفجر وثانيها الليال العشر وثالثها الشفع ورابعها الوتر وخامسها الليل إذا شارف على الانقضاء، وقد اختلف العلماء اختلافا كبيرا في تفسير هذه الكلمات، وذهبوا فيها مذاهب شتى نلخصها في هذه الصورة:

 

ومعظم هذه التفسيرات تدور حول ربط هذه الأقسام بالعبادة سواء كانت صلاة أم نسكا، فكأن السلف من المفسرين رحمهم الله قد ربطوا هذه الأقسام جميعها بالعبادة، حتى أن ابن كثير قال حاكيا عن التفاسير ( وهذا القسم بأوقات العبادة وبنفس العبادة )، وربما كان دافعهم إلى هذا الفعل هو إعمال القاعدة التي تقول أن القسم يكون بعظيم، والله عز وجل أقسم بهذه الأوقات لا لذاتها وإنما لشرف ما فيها، ثم نظروا فوجدوها محل عبادات شتى من صلاة وصيام، فربطوا بين القسم والتعظيم به وبين العبادات التي تأتي في هذه الأوقات، ويشهد لهذا ما ذكره الرازي في تفسيره حين قال: ( اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ فِيهَا إِمَّا فَائِدَةٌ دِينِيَّةٌ مِثْلُ كَوْنِهَا دَلَائِلَ بَاهِرَةً عَلَى التَّوْحِيدِ، أَوْ فَائِدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ تُوجِبُ بَعْثًا عَلَى الشُّكْرِ، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا، وَلِأَجْلِ مَا ذَكَرْنَاهُ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَكُلُّ أَحَدٍ فَسَّرَهُ بِمَا رَآهُ أَعْظَمَ دَرَجَةً فِي الدِّينِ، وَأَكْثَرَ مَنْفَعَةً فِي الدُّنْيَا.)

إلا أن هذا التفسير يبقى عاجزا عن أن يقدم مناسبة معقولة قوية منطقية بين هذه الأقسام من جهة، وبين اسم السورة من جهة أخرى، ومن ثم يقدم تفسيرا مترابطا متكاملا للمقصد والاسم والأقسام، ناهيك عن ربطه بالحديث عن إهلاك الأمم بعدها مباشرة، غير أنه من الظلم والإجحاف أن نقول أن المفسرين أهملوا أمر المناسبة تماما، فقد حاول الحافظ ابن كثير رحمه الله أن يجيب عن هذه النقطة فقال ( ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده ( ألم تر ) وهؤلاء كانوا متمردين جبارين خارجين عن طاعته مكذبين لرسله فذكر كيف دمرهم  )، إلا أن هذا الكلام ليس ربطا بالمعنى الدقيق وإنما هو مجرد ذكر وعرض لموضوع المقطع الأول وموضوع المقطع الثاني.

وأما البقاعي رحمه الله في النظم فذهب مذهبا آخر، فربط بين هذه الأقسام وبين ما سبقها من كلام في سورة الغاشية، و رجح كون هذه الأقسام متعلقة بالحج وربط بين جميع ما سبق قائلا (لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب، وكان تغيير الليل والنهار وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالاًّ على القدرة على البعث، وكان الحج قد جعله الله في شرعه له على وجه التجرد عن المخيط ولزوم التلبية والسير إلى الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال: {والفجر *} أي الكامل في هذا الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره، وهو فجر يوم النحر .

ولما ذكر هذا اليوم بما العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح قد أضاء، ونهار قد انبرم، وانقضى، لا فرق بينه وبين ما مضى، عم فقال معبراً بالمقابل: {وليال عشر *} هي أعظم ليالي العام {والشفع} أي لمن تعجل في يومين {والوتر } أي لمن أتم - قاله ابن الزبير، ثم قال:{والّليل} أي من ليلة النفر {إذا يسر } أي ينقضي كما ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها فيخلفه الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى الله راجعين إلى ديارهم بعد حط أوزارهم، وقد رجع آخر القسم على أوله ) وقد نقلنا كلامه بتصرف.

وأكثر ما اضطربت فيه التفاسير، كلمتي ( الشفع والوتر ) وذهبوا فيها مذاهب شتى.

وكل ما سبق من المحاولات للربط بين الأقسام الخمسة وبين ما يليها وبين مقصد السورة، بقيت عليلة ضعيفة ولم تفلح في تقديم إجابات منطقية في وحدة السياق بين أجزاء السورة هذه، وهذا ما دفعني لإعمال النظر والفكر والتأمل في تفسير هذه الأقسام في ظل السياق العام للسورة، ثم إنه خطرت لي خواطر لم أجرؤ على البوح بها حتى لا يقال: قد أتيت بقول ليس لك فيه إمام، ثم قدر الله لي أن وقعت على كتاب للشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني يحكي فيه ما جرى له في أثناء البحث عن تفسير هذه الأقسام فوجدته قد أصابه ما أصابني فقال رحمه الله رحمة واسعة ( لم يرد عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يدل على المراد من هذه الأزمنة ولسنا ملزمين بالآراء الاجتهادية التي ذكرها أهل التأويل، وقد نظرت فيما ذكره المفسرون فلم أجد فيها قولا يتضمن مناسبة بين الأزمنة التي أقسم الله بها وبين الحديث عن إهلاك عاد وثمود وفرعون وجنوده فلم ينشرح صدري لقول منها ) وهذا عين ما جرى لي، ثم مضى قائلا ( ثم تتبعت في القرآن الأزمنة التي أهلك الله بها هؤلاء الاقوام وأشباههم فظهرت المناسبة جلية واضحة، وتم لدي بهذا، الترابط بين المقسم به والمقسم عليه، والذين أقسم الله لتأكيد إنذاره لهم بالإهلاك المعجل في الدنيا )، فذهب رحمه الله إلى أن المقصود بهذه الأقسام هي الأزمنة التي أهلك الله بها هؤلاء الأقوام،) ا هـ. وعلى الرغم من أننا لا نعزو عادة لأننا نركز على الأفكار لا على الأشخاص إلا أننا اضطررنا لذلك هنا حتى لا يقال: قد أتينا بقول ليس لنا فيه إمام.

وإليك تفصيل ما سبق من الدلالات:

أولا فيما يخص الفجر: فإن الفجر هو وقت بداية نزول الهلاك على عامة الأمم.

فأما عاد فقد كان إهلاكهم في ثمانية أيام وسبع ليال بدأت مع فجر اليوم الأول منها.

وأما ثمود فأهلكوا بالصيحة عند الفجر كما جاء في سورة الحجر ( فأخذتهم الصيحة مصبحين ) وفي سورة هود ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين )

وأما فرعون فلم يأت في القرآن ذكر صريح لإهلاكهم صباحا، وإنما جاء في سورة الحجر بلفظ ( فأتبعوهم مشرقين )، ولئن بدا الأمر مختلفا قليلا مع فرعون إلا أن الإتيان بلفظ ( فأخذتهم الصيحة مشرقين ) في حق قوم لوط في سورة الحجر، على الرغم من استخدام الإصباح معهم في سور أخرى كما سيأتي، يقوي القول بأن المراد هو وقت الصباح عموما.

وأما لوط فأهلكوا صباحا كما جاء في سورة هود ( إن موعدهم الصبح ) وفي سورة الحجر ( وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ) وفي سورة القمر ( ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ).

وكذلك قوم مدين قال الله عنهم في سورة الأعراف ( فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ) وجاء وصف عذاب ثمود بنفس الجملة في نفس السورة، أما في سورة هود فقال الله عنهم ( وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ).

وكذلك في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، فقد قال الله عز وجل في شأنه ( فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ).

وفي قصة أصحاب الجنة في سورة القلم ( فأصبحت كالصريم ).

وفي التهديد بالعذاب عامة للكافرين ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا ).

وفي سورة الصافات قال جل من قائل ( فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ).
وقد جاء مثل هذا في السنة النبوية في الصحيحين من حديث أنس بن مالك يحكي دخول النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ( فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ} " قَالَهَا ثَلاَثًا )


لأجل هذا كله استحق أن يقسم الله بالفجر فهو وقت انكشاف الحقيقة التي اختفت زمنا في ليل سرى، وهو كناية عن صفات عدله وانتقامه وانتصاره لرسله والذين آمنوا معهم.

 

ثانيا: فيما يخص الليال العشر فقد ذهب الشيخ عبد الرحمن رحمه الله رحمة واسعة إلى أنها الليالي العشر الأولى من محرم التي نجى الله موسى في آخر ليلة منها، إلا أنني لم أجد ما يشير إلى أن بني إسرائيل خرجوا من مصر في أول محرم وهذه أضعف نقطة في اختياره هذا، إذ لا دليل قاطع على أن بني إسرائيل خرجوا في بداية محرم، بالتالي فليس هناك من دليل على أن مدة هروبهم من فرعون كانت عشرة أيام.

ثالثا ورابعا: فيما يخص الشفع والوتر: فقد اختار الشيخ ما يلي: أهلك الله عز وجل عادا قوم هود عليه السلام بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما كما جاء في سورة الحاقة، فقد كان إهلاكهم في ثمانية أيام شفع وسبع ليال وتر، بدأت مع فجر اليوم الأول وانتهت مع غروب الشمس في الثامن وبينهما سبع ليال، وهو اختيار له حظ من النظر والقبول.

 

وأما خامسا: فقد أقسم الله جل جلاله بالليل إذا يسري أي يمضي، مؤذنا بدنو الفجر وظهور النهار وانبعاث الضوء وانكشاف الحقائق.

وبسبب نقطة الضعف الآنفة الذكر وهي تفسير الليالي العشر بأنها الليالي التي سرى فيها قوم موسى وانتهت بهلاك فرعون، اضطررنا للبحث أكثر عن تفسير أقوى وأكثر انتظاما، فقدر الله لنا أن نطلع على رأي آخر أتى فيه صاحبه بقول له حظ من النظر، في تفسير الليالي العشر والشفع والوتر كما يلي:

أما الليالي العشر: فقال أنها مجموع ثلاثة أيام تربص بها قوم صالح وسبع ليال نزل فيها العذاب على قوم عاد، وهنا مأخذ في هذا القول وذلك أنه فسرها بضم أيام إلى ليال وهذا بحاجة إلى قرينة تقويه ولو كان الضم بأيام إلى أيام أو ليال إلى ليال لكان أقرب.

وأما الشفع والوتر: فقال أنه العطاء والمنع فالشفع لغة هو ضم الشيء إلى الشيء ليكون شفعا، وهكذا يكون العطاء يضم الله للمعطى شيئا مع شيء، وأما الوتر فهو البقاء وحده، كما جاء في الحديث ( فكأنما وتر أهله وماله ) أي فقدهما وبقي وحيدا.

وفي نهاية المطاف لم يترجح بعد التأمل عندنا شيء في تفسير الليالي العشر والشفع والوتر، وحسب الناظر أن يقول فيما لا يعلم من كتاب الله: لا أدري، ولا يزال الله يفتح على أمة المسلمين أفهاما ويفضل بعضها على بعض في العلم.

 

فإن قال قائل: ما دلالة تقييد الليل بحالة السريان؟

قلنا أن الفجر هو وقت ظهور الضوء وانكشاف الحقائق، وأما الليل فهو وقت طمسها وتغطيتها، ففي تقييد الليل بالسريان إشارة إلى سرعة انقضائه وأن الليل مهما طال فلا بد أن يمضي وينتهي، وأن الحقائق مهما طمست وغيبت لا بد أن يأتي وقت تظهر فيها، سواء كان هذا في الدنيا بتسليط العذاب على الجبابرة والطغاة، أو في الآخرة يوم الدين، وفي هذا تثبيت وأي تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولمن بعدهم من حملة هذا الدين، في بحر من التهديد لخصومهم، وهذا المقصد من أهم مقاصد القرآن المكي.

 

وهنا سؤال في غاية الأهمية يطرح نفسه، عن سبب اختيار الله عز وجل للفجر وهو زمن الإهلاك في القسم للدلالة على عظمته وانتقامه وجبروته؟

الجواب: أن الإنسان بطبعه ينسى، والنسيان هو الذي دفع آدم عليه السلام إلى نسيان عهده وخور عزمه ( ولقد عهدنا إلى آدم فنسي ولم نجد له عزما ) فلما نسي آدم خارت عزيمته وأكل من الشجرة ولسنا إلا ذرية من ولده يصيبنا مثل ما أصابه، ومثل هذا حصل لحنظلة رضي الله عنه في الحديث الذي رواه مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ، قَالَ: - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ؟ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، فَنَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَمَا ذَاكَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ، تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

فالنسيان آفة بني آدم ولذلك أنزل الله لهم القرآن ليذكرهم بحقيقة وجودهم ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليذكر أولو الألباب ).

ومن وسائل التذكير أيضا ربط المعاني بأحداث متعاقبة على ابن آدم تعود له الفكرة كلما مر عليه الحدث ومن هذا ما نحن بصدد الحديث عنه، إذ أن الفجر أمر يتكرر كل يوم على ابن آدم، لا يملك إنسان أن يختفي عنه، فربط الله بين الفجر المتكرر كل يوم وبين قدرته وعظمته وجبروته.

 

فالفجر لدى المتدبر ليس ضوءا طالعا ولا بداية يوم جديد فحسب بل هو تذكير دائم بعظمة الله وقدرته وجبروته وتذكير بانجلاء الليل وانكشاف الفتنة والابتلاء يذكره كل صباح بقرب انكشاف الحقائق وفي هذا من التثبيت وشرح الصدر ما لا يخفى على عاقل.

فكلما رأيت الصبح قد تنفس والصبح قد أقبل والضوء قد انفجر، تذكر أن الحقائق لا بد لها أن تظهر مهما طال الزمن، ومهما مر على تلك الحقائق من زور يغطيها، ومهما كتبنا في هذا لن نصف حجم تأثير مثل هذا على الإنسان، تثبيتا وسكينة وطمأنينة.

ما مناسبة قوله تعالى ( لذي حجر )؟

أصل الحجر هو المنع والمقصود به هنا هو العقل وسمي العقل حجرا لأنه يمنع صاحبه عما يقبح وتضر عواقبه، وذكر هنا خاصة للإشارة إلى أن الانجرار وراء هذه التلبيسات والخدع إنما سببها ضعف العقل، وأن الوسيلة الطبيعية لإدراك الحقائق واكتشافها مهما غشاها زور وخداع إنما هو العقل، فوجب العناية به.

وكأن السورة تخاطب كفار قريش خاصة، وكل من سار على نهجهم عامة قائلة لهم: أليس لكم عقول تبصرون بها الحقيقة؟ أليس لكم عقول تدركم عن غيكم؟ ألم تروا مصائر الأمم قبلكم؟ أليس فيما أصابهم عبرة وعظة لكم ونورا يكشف لكم الحقيقة؟

 Map Shot 1

  • Created on .