(انكشاف الحقائق على مستوى الأمم)

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)

ما موضوع هذا المقطع؟ وما علاقته بما قبله من المقاطع؟ وما علاقته بمقصد السورة؟

يقص هذا المقطع على القارئ قصة هلاك ثلاث من الأمم: عاد وثمود وقوم فرعون، مذكرا إياه بما حصل مع هؤلاء الأقوام حين لم تمنعهم عقولهم من الانجرار وراء الأباطيل، ولم يكن لهذه العقول من السيطرة عليهم ما يدفعهم إلى الوصول إلى الحقائق المدفونة المغطاة.

ولم يأت لفظ ( ألم تر كيف فعل ربك ) إلا في هذه السورة وفي سورة الفيل في قوله ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) في إشارة إلى السنن التي سار عليها أهل الضلال والإفساد جيلا وراء جيل ولا يزالون.

يعتبر هذا المقطع تهيئة وتوطئة لما بعده، إذ أن هؤلاء الأقوام ممن زاغوا عن الحقائق فظنوا أن ما بهم من العطاء كرامة من الله عز وجل وهم ما هم عليه من الكفر والطغيان والفساد، وضرب المثال المشاهد وذكره قبل ذكر الحقائق المجردة مما يزيدها حضورا ورسوخا في الذهن.

ما مناسبة ذكر قوة هؤلاء الأقوام؟

ذكر الله في هذا المقطع قوة هؤلاء الأقوام من عدة نواح:

فذكر قوة بنيان قوم عاد وقوة أجسادهم،

وذكر تفنن ثمود في قطع الصخور ونحتها،

وذكر فرعون واصفا إياه بصاحب الأوتاد وقيل في معناها الأبنية المتطاولة العالية أو أنها كناية عن الأوتاد التي تشد بها الناس وتعذب والأول أقرب لمناسبته ما قبله، وليس الآخر ببعيد لمناسبته لما بعده، وجمعهما معا أحسن وهذا من محاسن القرآن وأسراره يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ الواحد، وهذا الذكر فيه رسالة لكفار قريش أولا ولكل متكبر طاغية مفسد في الأرض ثانيا، أنك لن تبلغ من القوة ما بلغته عاد أو ثمود أو فرعون فإياك أن تغتر بقوتك وأن تظن أن الله غير قادر على عذابك فإن ربك بالمرصاد، قادر على أن يصب عليك عذابا كما صبه على من كان قبلك مع ما تمتعوا به من أسباب القوة والمنعة.

الأهم من هذا الإشارة إلى حقيقة أزلية لا بد أن تبقى ماثلة في الأذهان وهي:

أن الله لا يعجزه شيء ولا يخرج عن جبروته شيء

مهما بلغت قوته وجبروته، فهذه القوة ليست إلا وهما عارضا، مغطى بليل لا يلبث أن يكشف عنه ضوء الفجر، بعذاب أليم يصبه عليه رب قادر يترصد أفعال العبيد ويرى أحوالهم.

 

Map Shot 1

  • Created on .