عاقبة المعرضين في سورة الأحقاف

ما هي الأسماء الواردة فيها ؟

سميت هذه السورة «سورة الأحقاف» في جميع المصاحف وكتب السنن

ولم يذكرها في «الإتقان» في عداد السور ذات أكثر من اسم.

مكان نزولها؟

هي مكية قال القرطبي: باتفاق جميعهم

كم عدد آياتها ؟

عدت آيها عند جمهور أهل الأمصار أربعا وثلاثين، وعدها أهل الكوفة خمسا وثلاثين والاختلاف في ذلك مبني على أن حم تعتبر آية مستقلة أو لا.

هل ثبت شيء في فضلها ؟

لم يثبت في فضلها خاصة شيء، وقد ورد بعض الأحاديث في فضل الحواميم ولا يصح منها شيء.

ما هو مقصد السورة وما هي القرائن التي دلت على ذلك، وما مناسبة الاسم للمقصد؟

مما لا شك فيه أن اسم السورة منبئ عن مقصدها، ويعتبر من أهم المؤشرات عليه، والسورة التي بين أيدينا سميت بالأحقاف وليس لها - كما مر - اسم غيره، ولم يذكر هذا اللفظ في القرآن سوى في هذا الموضع، وكلها دلالات مهمة في العثور على اسم السورة، والأحقاف جمع حِقف بالكسر وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء، ويكون كهيئة الجبل ولكنه دونه واحقوقف الرمل والظهر والهلال طال واعوج.

وقد ذكر أكثر المشتغلين بالقرآن أن سبب تسميتها هو تفردها بهذا الاسم، وهذا وجيه، ولكن وراء هذا السؤال سؤال آخر، وهو: ما دلالة هذا الاسم، وما سبب اختياره لهذه الطائفة من الكلام دون سواها، وما مراد الله عز وجل من إيراد هذا الاسم في هذا الموضع بالذات؟

ولم يذكر أحد بحسب ما اطلعت عليه سبب مجيء هذه الكلمة إلا البقاعي رحمه الله حيث ذكر أن مثل هذه الهيئة لا تكون في بلاد تهب بها ريح شديدة غالبة، لأن الريح ستنزع هذه الأكوام من الرمل وتذهب بها، فضلا عن أن تكون جمعت وصارت أحقافا واشتهرت بها البلاد، وهذا معناه أن قوم هود عليه السلام لم يألفوا الريح الشديدة، لذلك قالوا لما رأوا العارض ( هذا عارض ممطرنا ) بحسب عادتهم، فكانت المفاجأة أن قد أتاهم ما لم يحتسبوا، ريح صرصر عاتية، ( تدمر كل شيء بأمر ربها ) ومن الجدير بالذكر أن هذه العبارة أيضا لم تذكر سوى في هذا الموضع على الرغم من تعدد المواضع التي ذكرت فيها قصة عاد.

وعليه يحمل هذا الاسم في هذا الموضع ثلاثة عناصر:

عنصر تغير الحال

عنصر المفاجأة

عنصر الاستئصال

وكله داخل تحت التهديد.

screenshot 05

 

فإن قال قائل: التهديد معنى عام ومتكرر في كثير من السور فما الخصوص في شأنه في هذه السورة؟

وهذا السؤال مهم جدا حتى تكتمل صورة المقصد، إذ أن المقصد لن يكون واضحا متميزا إلا إذا أضفنا إليه عنصرا آخرا متميز يفصل المقصد في السورة عن غيرها من السور، وهذا العنصر يجده الباحث المتدبر في مطلع السورة في قوله جل وعلا ( والذين كفروا عما أنذروا معرضون )، أي معرضون على الرغم من أننا لم نخلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، وهذه الطريقة جارية على نسق أخواتها واستدللنا عليه في الأحقاف كما دلنا قوله تعالى ( لعلكم تعقلون ) في سورة الزخرف, وكما دلنا قوله تعالى ( لقوم يعلمون ) في سورة فصلت.

كما أن لكلمة ( الذين كفروا ) هنا دلالة مهمة عظيمة، إذ أنها تشير إلى أن هؤلاء المعرضين لم يعرضوا عن النذارة لجهل بها، وإنما كان هذا الإعراض بعد علمهم بأنها الحق، فأصل الكفر التغطية، والتغطية عمل مقصود لإخفاء أمر معلوم، فالكافر لم يغط الحق إلا بعد أن علمه، فكان عمله هذا جحودا وإنكارا وعنادا بعد علم، وقد أبدع البقاعي رحمه الله حين قال في وصفهم: (والذين كفروا أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه  ( عما أنذروا ) ممن هم عارفون بأن إنذاره لا يتخلف )

ما هي القرائن التي يتقوى بها كلامكم؟

من القرائن التي تقوي اختيارنا هذا فيما يتعلق بمقصد السورة، أن أصل الكلام ( والذين كفروا معرضون عما أنذروا ) فقدمت النذارة على الإعراض، ومثل هذا التقديم لا بد أن تقف عنده لأنه ينبئك عن سر وراء هذا التقديم، لأن أصل المعنى هو الإنذار فقدم لأجل هذا.

تأمل أيضا عنصر النذارة الذي يربط بين العبارة في مطلع السورة ( عما أنذروا ) وبين قصة الأحقاف ( إذ أنذر قومه بالأحقاف ) وهذا من القرائن التي تؤيد ما ذهبنا إليه من الربط بينهما، ومن أن السورة تدور حول التهديد فإن النذارة إنما تكون في غير أمور الخير.

وبضم هذين الجزئين إلى بعضهما البعض يكون التهديد بالاستئصال المفاجئ واقعا على المعرضين عن النذارة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم ظلما وعلوا، على الرغم من أن الخلق إنما كان بالحق ولموعد مقدر معروف، يوم الدين.

ثم تأمل ما جاء في مقطع السورة وخاتمتها ( بلاغ )، تلك الكلمة التي تجسد حقيقة السورة وتختصرها أبلغ اختصار، فما هي إلا بلاغ، ليثبت المؤمنين ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) ويظهر مآل الكافرين ( كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار ) ( فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ).

وقد جاء البقاعي بكلمة قريبة جدا مما أرانا الله في مقصد السورة فقال رحمه الله وكلامه باللون الأخضر :

مقصودها:

إنذار ( عما أنذورا )

الكافرين ( والذين كفروا )

بالدلالة على صدق الوعد ( ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق )

في قيام الساعة ( وأجل مسمى )

اللازم للعزة والحكمة ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم )

الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من إهلاك المكذبين ( ولقد أهلكنا ما حولكم )

بما يضاد حال بلادهم ( بالأحقاف )

وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع ( فلولا نصرهم )

لأن فاعل ذلك لا شريك له فهو المستحق بالعبادة ( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله ... ) الآيات.

ولا يعيب كلامه رحمه الله إلا طوله، فلا بد للمقصد من أن يكون مركزا مختصرا قليل الكلام جامعا للمعاني، كأنه عنوان كتاب.

screenshot 04

 

ما هي حقيقة الإعراض ههنا؟

الآيات التالية لقوله تعالى ( والذين كفروا عما أنذروا معرضون ) تشرح هذا الإعراض وتبينه وتفصله، فحقيقة الإعراض هنا هو رد الشهادة بشقيها، رد للتوحيد ورد لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي بيان هذا مفصلا في المقطع الأول.

ما هو تطبيق مثل هذا المقصد في حياتنا نحن المسلمين إذ نشهد بالشهادتين؟

لا شك أن في الآية تحذير شديد، وهذا التحذير ليس قاصرا على المشركين الذي ردوا الشهادة جملة، لكنها تهديد لنا أيضا إذا غلبت علينا كارثة الإعراض عن الحق بعدما تبين وأن جزاء هذا في زماننا كجزاءه الذي كان في الزمن الأول، ريح تدمر كل شيء، والإعراض عن الحق لا بديل له إلا الانقياد للباطل، والنفاق والسلب والنهب والقمع كله من الباطل، وغيره من المساوئ التي تدمر الأمم، فسفينة النجاة هي البحث عن الحق والصواب والوقوف الحاسم مع الحق حيث كان.

فخلاصة قصة عاد أنهم نودوا إلى الحق وظهرت لهم دلائله فعاندوا ورفضوا فهلكوا وهذه الخلاص حقيقة من حقائق الوجود.

هل هناك علاقة بين الجاثية والأحقاف؟ وما هي القرائن التي تعضد هذا القول؟

العلاقة بين الجاثية والأحقاف وثيقة لا تكاد تغيب عن فهم القارئ المتبصر المتدبر، ومما يدل على ذلك:

1-  البداية المتطابقة لكل من السورتين ( حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم )

2-  توسط هذه اللفظة بين السورتين ( وهو العزيز الحكيم ) وكأنها عقدة ربط للمعاني بينهما، فقد ابتدأت الجاثية بقوله ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ) وختمت بقوله ( وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم )، ثم ابتدأ ما بعدها بنفس اللفظ ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ).

3-  كما أن المقصدين الذين تدور حولهما السورتان قريبان، فهما يدوران حول النذارة وعرض عاقبة نوعين من الكافرين: أولهما مستكبر والثاني معرض، فكأن الأولى مقدمة للثانية والثانية نتيجة للأولى.

ولو ذهبنا نتتبع التناسب في المعاني والألفاظ لوجدنا ذلك كثيرا في السورتين.

المعنى الجاثية الأحقاف
التكذيب بالبعث وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى
موقفهم من الآيات وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات

 

 

Map Shot 2

 

 Map Shot 4

 

 

  • Created on .