هل يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق ؟

أبو حمزة الكناني 

22/10/2016

( ١ )

لا أحصي كم مرة سُئلت هذا السؤال .. وآخرها بعد صلاة الفجر قبل قليل ..

أنا لا أُفتي .. لكن سأنقل لكم جواب بعض أهل العلم :

قال الله :

" هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان "

قال ابن تيمية في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان :

‏[ فعُلم أنهم مخلطون وكفرهم أقوى ، وغيرهم يكون مخلطاً وإيمانه أقوى ]

وقال ابن كثير في تفسيره :

[ ‏الشخص قد تتقلب به الأحوال فيكون في حال أقرب إلى الكفر ، وفي حال أقرب إلى الإيمان لقوله :

‏" هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان " ]

وقال القاسمي في محاسن التأويل :

قال تقي الدين رحمه الله :

كان الصحابة والسلف يقولون : إنه يكون في العبد إيمان ونفاق ، وهذا يدل عليه قوله عز وجل : " هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان "  وهذا كثير في كلام السلف ، يبينون أن القلب يكون فيه إيمان ونفاق ، والكتاب والسنة يدل على ذلك ، ولهذا

قال النبي : «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»

. فعلم أن من كان معه من الإيمان أقل قليل لم يخلد في النار ،  وإن كان معه كثير من النفاق ، فهذا يعذب في النار على قدر ما معه ثم يخرج ...

إلى أن قال :

 وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر وشعبة من شعب النفاق .

وقد يكون مسلماً وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية ..

___

* القاسمي أطال الكلام في تفسيره عن هذه المسألة ..

* فلذلك لا تتعجب عندما ترى رجلاً يواظب على الصلاة ( مثلاً ) لكن فيه خصلة من خصل النفاق ..

أو امرأة حجابها كامل وتقوم الليل لكنها تكذب ( مثلاً ) فقد يكون فيها إيمان وخصلة من خصل النفاق أو خصلة من خصل الكفر الأصغر أو الفسق أو الجاهلية .. ف" سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " رواه البخاري

( ٢ )

( تابع لمسألة إمكانية وجود الإيمان والنفاق أو الجاهلية في قلب العبد )

ثبت في الصحيحين أنه - - قال لأبي ذر - وهو من خيار المؤمنين - : إنك امرؤ فيك جاهلية ، فقال : يا رسول الله ! أعلى كبر سني ؟ قال : ( نعم ) » .

* فمثل هذه الأحاديث لا يُفهم منها سلب الإيمان من العبد ، لكن يُفهم منها أن الإيمان درجات ومتفاوت ..

فمن الخلق من وصل إيمانه إلى درجات عالية جداً كالنبي وإبراهيم عليه السلام ، ومنهم من دون ذلك من عموم الصحابة والناس كالصدّيق رضي الله عنه وهو أقوى الناس إيماناً بعد الأنبياء ، ومن الناس ماهو دون ذلك بكثير ، ومن الناس من وُجد بقلبه إيمانٌ خالطه خصله من خصل الجاهلية أو النفاق ، فلا يسمى بهذه الخصلة منافقاً كما ذكر ابن تيمية رحمه الله قول النبي في أبي ذر وهو من السابقين الأولين في الإسلام ومن خيار الصحابة لكن كانت فيه رضي الله عنه خصلة من خصال الجاهلية ..

فالإيمان تتفاوت قوته ونسبته في القلوب ، ويزداد تارة وينقص  تارة .. ويدل على هذا قوله تعالى :

‏" ويزداد الذين آمنوا إيمانا "

‏" فزادتهم رجساً إلى رجسهم "

‏" إنما النسيء زيادة في الكفر "

‏فالزيادة والنقصان كما هي في الإيمان ، فهي كذلك في الكفر والفسوق .

وكلما ازداد الإيمان في القلب قلّ ضده .

__

* أبو ذر رضي الله عنه خامس خمسة في الإسلام ومن نجباء الصحابة وكان صاحب صدق وكلمة حق لا يخاف في الله لومة لائم ، وكان فقيهاً يُفتي ويُستفتى في زمن الخلفاء الثلاثة ذكر ذلك الذهبي في سيره وغيره.. ولا يعني أن النبي قال لأبي ذر ما قاله يلزم منه أن أبا ذر مات على هذه الخصلة .. فقد يكون تاب منها ..

قال ابن حجر في الفتح :

[ وبلى شك أن منزلة أبي ذر من الإيمان في الذروة العالية ؛ وإنما وبخه بذلك على عظيم منزلته عنده ؛ تحذيراً له عن معاودة مثل ذلك ؛ لأنه وإن كان معذوراً بوجه من وجوه العذر لكن وقوع ذلك من مثله يُستعظم ..]

( ٣ )

( تابع لمسألة قد يوجد الإيمان والنفاق أو الجاهلية في قلب العبد )

بعض الأحبة يستشكل ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال النبي : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن .."

وهذا الحديث وأضرابه قد أُجيب عليه بعدة أجوبة :

" لا يؤمن " فيها نفي كمال الإيمان .. لا إبطال الإيمان كله ..

وهذا المعنى ما قاله المحققون من أهل العلم كابن عبدالبر في التمهيد :

[ يريد مستكمل الإيمان ، لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ]

وقال بنحوه الخطابي في معالم السنن وابن تيمية في الإستقامة وغيرهم ..

وقد روي في تأويل هذا الحديث معنى آخر وهو ما رواه أبو داود في هذا الباب قال رسول الله :

" إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان وكان عليه كالظلة فإذا انقلع رجع إليه الإيمان " ..

ولذلك شُبه الإيمان بالظلة ، إذ وقت السرقة أو الزنى يذهب إيمانه الكامل ولا يبقى إلا الشيء اليسير ثم يعود إذا تاب وأناب .. وبهذا المعنى قال ابن القيم في الوابل الصيب ..

قال ابن عبد البر في التمهيد :

[ آثارٌ مثل هذه لا يخرج بها العلماء المؤمن من الإسلام و

إن كان بفعل ذلك فاسقا عندهم بغير نكير ]

فدل هذا على أنه قد يكون المؤمن مؤمناً من جهة فاسقاً من جهة أخرى ، وهذا من أصول أهل السُنة ، قال ابن القيم رحمه الله في كتاب الصلاة :

[ .. وههنا أصل آخر وهو أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان ، وشرك وتوحيد ، وتقوى وفجور  ونفاق وإيمان ، هذا من أعظم أصول أهل السنة .

وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية ]

وقال أيضاً في نفس الكتاب رحمه الله :

[ .. لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً وإن كان ما قام به إيماناً ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفراً كما أنه لا يلزم من قيام جزء من أجزاء العلم به أن يسمى عالماً ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطب أن يسمى فقهياً ولا طبيباً .. ]

وبطبيعة الحال لا يُظن بكلام الأئمة الشارح للسُنة أنه يجتمع الشرك الأكبر الناقل من الملة مع التوحيد الخالص ، فهذا اجتماع لنقيضين .. لكن يُراد به أن الشرك الأصغر وأيضاً بعض خصال النفاق قد تجتمع في العبد .. والله أعلم .

( ٤ )

( ما قبل الأخيرة في مسألة إمكانية وجود الإيمان مع خصل النفاق أو الشرك الأصغر )

قال رسول الله « الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان »

رواه مسلم

فتبين من هذا الحديث أن الإيمان يشمل :

١ - أقوال : " فأفضلها ( قول ) لا إله إلا الله "

٢ - ويشمل أفعال : " ( إماطة ) الأذى "

٣ - ويشمل الاعتقاد القلبي والأعمال القلبية : " ( والحياء ) شعبة من شعب الإيمان " .

وكلها داخلة تحت مسمى الإيمان ، فكلما زادت زاد معها الإيمان لا سيما إذا صاحب ذلك تتبع للسُنة ومراقبة للمولى ، وكلما زاد الإيمان نقص ضده لكن لا يلزم من نقص ضده سلبه بالكلية .. فقد يكون معه إيمانٌ لا يدفعه من الوقوع في الفسق أو النفاق الأصغر ..

وأفضل الإيمان وأفضل الحسنات وأعظمها تجريد التوحيد وهو مكفر للذنوب جميعاً ، ولا يكفر بعض الذنوب دون بعض ؛ لأن التوحيد حسنة عظيمة ، لا تقابلها معصية إلا وأحرق نور تلك الحسنة أثر المعصية ، لكن إذا كمل ذلك النور ..

وكماله بعدم الوقوع فيما بخدشه أو ينقضه ، وأعظم خدش : الشرك ، قال الله : " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " والظلم هنا فسره النبي في صحيح البخاري بأنه الشرك .

وأما مسألة الظلم والإهتداء في الآية فهي أيضاً نسبية ، فكلما زاد الإيمان زاد الأمن والإهتداء في الدنيا والآخرة وكلما قل الإيمان قل الأمن والاهتداء ، قال ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى :

[ ... فمن سلم من أجناس الظلم كان له الأمن التام والاهتداء التام .

وما نقص الأمن والاهتداء إلا بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه نفسه ...

إلى إن قال رحمه الله :

... وقول النبي   " إنما هو الشرك " ... وإن كان مراده - أي : مراد النبي - جنس الشرك ؛ فيقال : ظلم العبد نفسه كحبه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ونحو ذلك . فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه... ]

اختصرته وبتصرف يسير من مجموع فتاوى ابن تيمية

(5)

سبب الحديث عن ( بعض ) مسائل الإيمان :

١- كثرة السؤال عن هذه المسالة ( مسألة وجود الإيمان والنفاق في قلب العبد )  ..

٢- ولكي نتعامل مع بعضنا بمفهوم بشريتنا لا على أننا معصومين .

٣- وكثرة ما أسمع من بعضهم مثل هذه العبارات عند خطأ بعضهم :

( هذا وأنت متعلم )

أو نسمع عبارات مثل :

( هذا وأنت مطوع .. هذا وأنتي مطوعة )

( هذا وأنت حافظ القرآن .. هذا وانتي حافظة القرآن )

فهذه جُمل يتكرر إيرادها عند أدنى هفوة من صاحب ( أو صاحبة ) الفضل .

الصحابة والصحابيات هم خيرٌ منا بمراحل ولن نصل إلى ما وصلوا إليه من الإيمان والأعمال الجبارة بنص النبي في البخاري :

" لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ، ولا نصيفه "

قومٌ عاصروا التنزيل ، وصاحبوا النبي ورأوا جبريل وشاهدوا المعجزات وجاهدوا ؛ ومع ذلك قال عن أحد أفضلهم " إنك امرؤ فيك جاهلية " ومنهم رضي الله عنهم من زنى فرُجم وجُلد منهم من جُلد ، وشرب الخمر منهم من شرب وجُلدوا بل أثبت لأحدهم محبته لله ورسوله وهو يجلد أكثر من خمسين مرة في الخمر - كما نقل ذلك ابن حجر في الفتح عن ابن عبد البر - ، واغتاب من الصحابة من اغتاب ، وسرق الشملة منهم من سرق ، رضي الله عنهم أجمعين وسلك بنا سبيلهم .

____

* لا أهون من أمر المخالفة الشرعية .. ولا أقلل من عظيم حق الصحابة ..

 لكن نحن بشر فإذا أخطأ العبد ( أو الأمة ) فليُتعامل معه على أنه بشر غير معصوم كما تعامل النبي مع من أخطأ من أصحابه .. مع عدم رميه بالنفاق أو نحوه  إلا ما كان ظاهراً واحتفت بهذا الأمر قرائن لا يُستطاع دفعها ، فهذا شأن آخر .

بل على إخوة الإيمان حفظ مال المخطئ من حق إن كان له سابقة فضل ، كما قال في سنن أبي داود وغيره " أقيلوا ذوي

الهيئات عثراتهم إلا الحدود "

  • Created on .