الكتاب المحجوز

تحت هذا العنوان كتب محمود الأرناؤوط مقالاً ، نشره في مجلة الثقافة الأسبوعية بدمشق الشام عام 1980 م ، يقول : حينما كنت تلميذا في المرحلة الإعدادية ، كنت فقير الحال بحيث لم أكن أستطع شراء الكتب ، ولذلك أعتدت أن أقرأ الكثير منها في المكتبة العامة ، فإن لم أجدها هناك ، ترددت على المكتبات التجارية الكبيرة مرات للاطلاع على الكتاب الذي أريده وأنا أقلب صفحاته متظاهراً برغبتي في شرائه .

وفي ذات يوم احتجت إلى كتاب نادر ، فلم أجده إلا في مكتبة تجارية واحدة ، فأخذت أتردد عليها بضعة أيام متوالية لكي أقرأه على مراحل ، وحين كان الكتاب كبيراً بحيث تتطلب قراءته أياما كثيرة على حالتي تلك ، قررت شراءه ، فاقترضت ثمنه من أحد زملائي وذهبت إلى المكتبة في اليوم التالي ، ولكني وجدت النسخة الوحيدة قد وضعت في مكان خاص ، وألصقت عليه ورقة كتب عليها (محجوز ) فكاد اليأس يستولي عليّ ، فتقدمت من صاحب المكتبة وقلت له : ألا يوجد لديكم نسخة أخرى من هذا الكتاب ؟ فأجابني وهو يبتسم بقوله : لقد حجزت لك هذه النسخة لكونها الأخيرة لديّ ، لأنني خشيت أن تباع قبل أن تتمّ قراءته ، فسررت لكلماته تلك وخجلت منها في ذات الوقت ، فشرحت له حالي وأعلمته بضيق ذات يدي ، فما كان منه إلا أن أحضر الكتاب وتقدّم مني قائلا : أمسك يا صغيري ، فأمسكت بالكتاب وقلت له : كم تريد ثمنا له ؟ فقال : إنه هديتي لك ، فشكرته مرات عدّة ، ولم أنقطع عن مكتبته. لشراء حاجتي من الكتب منها منذ ذلك اليوم وفاءً لتلك الهدية . انتهى .

قلت : لا أدري من أيهما أعجب ، من همّة وعزيمة وحرص ذلك القارئ الصغير (في حينه ) وأنه لم يمنعه من القراءة ومحاولة شراء الكتاب قلة ذات يده !

أم من صاحب المكتبة وكرمه وعنايته وملاحظته بمن يتردد على مكتبته وبذله الكتاب بدون ثمن لمّا رأى حرص القارئ ، بل وحجزه الكتاب ليكمل القارئ قراءته ويستفيد منه قبل أن يُباع ..

فلله درّ هؤلاء الوراقين ما أروعهم وما أكرمهم ..

وسقى الله تلك الأيام .
 


  • Created on .