الصدقة برهان

 

آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)

ما هو موضوع هذا المقطع وما هي مناسبته لمقصد السورة؟

بعد أن سبق الكلام عن الله وعظمته وصفاته جل وعلا، جاءت هذه الآيات كنتيجة بعد الاستدلال، إذ تهيأ المقام بعد الحديث عن عظمة الله للحديث عن الإيمان به إيمانا لا يشوبه إشراك، والخطاب هنا للمسلمين بينما توجه الخطاب في آخر السورة لأهل الكتاب، وهذا يتناسب مع الخلاف حول مكيتها ومدنيتها وترجيح امتداد نزولها على طول حياة الدعوة.

وهذه الآيات تبين حقيقة الإيمان الذي تدعو إليه الشريعة، وهو إيمان مقرون بالعمل دائما، وهو ليس مجرد إدراك ذهني أو تصديق قلبي من المؤمن غير متبوع بأثر عملي في الحياة بل هو اعتقاد وعمل وإخلاص.

والإنفاق قرين الإيمان ودليله كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله ( الصدقة برهان ) أي هي دلالة على اليقين الجازم بوعد الله، فالمنفق يعطي وهو موقن بوعد الله بأنه سيعوضه عما أنفق وفقد.

والذي يظهر أن جملة: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ هي في مقامها في معنى (وما لكم لا تثقون ولا تتيقنون بما يأمركم الله، وتطيعونه فيه) وليست تنديدا بعدم إيمانكم مبدئيا بالله ولا دعوة لهم إلى ذلك. لأن الخطاب في الجملة والآيات عامة لأناس مؤمنين بالله ورسوله مبدئيا. فيكون العتاب الذي انطوى في الجملة هو بسبب عدم تحقق ما يوجبه الإيمان فيهم من ثقة ويقين وطاعة. وجملة: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تدعم ذلك. كما تدعمه جملة: وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ من حيث إنها تعني (أنكم بإيمانكم الأصلي بالله ورسوله قد أعطيتم ميثاقا بالتحقيق بما يوجبه هذا الإيمان)

والأمر هنا بالإنفاق في سبيل الله المقصود به في عتاد الجهاد، فإن لفظة في سبيل الله يغلب إطلاقها على الجهاد، ويؤيده قوله عقبه ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) وهذا في غاية المناسبة لمقصد السورة واسمها ( الحديد ) وموضوع القوة واستخدامها على ما سيأتي لاحقا.

والذي يظهر من الآيات أنها نزلت في مناسبة موقف من المواقف التي كان يقفها بعض المسلمين المستجدين وخاصة بين مرضى القلوب ويظهرون فيها ترددا في البذل في سبيل الله وتباطؤا في الجهاد وتقصيرا في الإخلاص والطاعة والتفاني الواجب عليهم نحو الله ورسوله مما حكته آيات كثيرة في سور عديدة سابقة فأوحى الله تعالى فيه إلى نبيّه بهذه الآيات لتحتوي ما احتوته من إنكار وتذكير وتنويه وعتاب وحثّ وتنديد وتنبيه بعد المقدمة السابقة التي احتوت ما احتوته من بيان عظمة الله تعالى وقدرته ومطلق تصرفه في الكون بما في ذلك نفوس الناس وأموالهم.

جملة: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ رائعة المدى في هتافها بأصحاب الأموال بأنهم ليسوا إلا وكلاء لله تعالى وخلفاءه فيها. وبأن عليهم أن يطيعوا الله مالكها الأصلي فينفقوا في سبيله على كل ما أمرهم الإنفاق عليه من نصرة دينه.

وختم هذا المقطع بالآية الأخيرة الواقعة موقع التعليل والبيان لجملة ( وكلا وعد الله الحسنى )، والتي تضع أساسا مهما في البناء الإيمان وهي حقيقة ( أن النفقة من العبد إنما هو قرض محفوظ وعارية مستردة ) ولمن ؟ لله فأي بيع رابح هذا،  وكانت هذه الآية تخلصا حسنا لما سيأتي في المقطع التالي من الحديث عن الآخرة وأحوالها، إذ أن الأجر الكريم سيكون يومها.

ومهما يكن من أمر فإن الآيات احتوت صورا من صور السيرة النبوية في العهد المدني ولو لم تكن بارزة الخطوط. وإن أسلوبها ومضمونها وروحها معا تلهم أنها استهدفت تقرير تقصير المخاطبين وترددهم في الإخلاص التام في الإيمان والطاعة والاستجابة والإنفاق، والتنبيه على أنهم لا عذر لهم في ذلك ولا سيما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم يتلو عليهم آيات الله ويبلغهم وحيه، وقد احتوت أسلوبا من أساليب معالجة الموقف وتهذيب أخلاق المسلمين وتنقيتها وتطهيرها ودعوة قوية إلى الإنفاق والجهاد وتصديق رسول الله والفناء فيه،  كما احتوت في الوقت نفسه تنويها بالرعيل الأول السابقين وما كان منهم من تفان وإخلاص وتضحيات وبذل في أصعب الظروف وأخطر المواقف هو بمثابة تسجيل لذلك وأسباب لما قرره الله تعالى من رضائه عنهم في مواضع عديدة من سور أخر.

هذا، ومع خصوصية الآيات الزمنية فإن فيها تلقينا مستمر المدى كما هو المتبادر يثير في قلوب المسلمين في كل وقت الإخلاص واليقين. ويحفزهم إلى التضحية. بالمال والنفس والتسابق في ذلك. وبخاصة في الأزمات والشدائد التي تكون مثل هذه التضحية فيها أشدّ لزاما، ولقد شاءت حكمة التنزيل مع ذلك أن تنوه بالذين يفعلون ذلك في غير الأزمات والشدائد أيضا حيث ينطوي في هذا تلقين بليغ بوجوب البذل والتضحية في كل وقت ومال واستحقاق من يفعل ذلك الحسنى من الله عزّ وجل.

  • Created on .