ذكر الله والقلوب والأرض

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)

ما هو موضوع هذا المقطع وما هي مناسبته لمقصد السورة؟

تعود الآيات مرة أخرى للحديث عن الإيمان، وبداية هذا المقطع كما سبق الحديث عنه من المكي كما قال ابن مسعود، أن هذه الآيات نزلت بعد البعثة بأربع أو خمس سنين وليس المقصود هنا الدعوة إلى الخشوع ابتداء، ولكن المقصود التحريض على مراقبة الإيمان في قلوبهم والحذر من التقصير، والمخاطب هنا بالذين آمنوا هم مؤمنو العهد المكي وهم مؤمنون حقا إذ لم يكن في مكة منافقون ولا كان داعٍ لنفاقهم، لأن المسلمين كانوا حينها مستضعفين.

ففي الآيات دعوة للمؤمنين حقا إلى تعاهد قلوبهم بذكر الله وتدبر القرآن لكي تستمر خاشعة تؤدي ما أمرت به وتنتهي عما نهت عنه، ولا يكونوا كالذين لم يخافوا عقاب الله وخالفوا أحكام الشرائع حتى قست قلوبم ومردت على ذلك.

وفي الآية التالية تشير الآيات إلى أن احتياج القلوب المؤمنة إلى ذكر الله يشبه حاجة الأرض الميتة إلى المطر، ويمثل ذكر الله وأثره في القلوب بحال الغيث ونزوله على الأرض الميتة.

والمقصود من هاتين الآيتين الإرشاد إلى وسيلة الإنابة إلى الله وإحياء القلوب، ألا وهي تعهد النفس بالموعظة والتذكير بالإقبال على القرآن وتدبره وعلى السنة وتعليمها واللجأ إلى الكتاب والسنة، فتحيا بهذا كما تحيا الأرض بأمر ربها.

ثم تتبع هذه الآيات آية مدنية فيما يشبه وهذه الآية فيها قراءتان:

المصدقين: بتشديد الصاد بمعنى المتصدقين

المصدقين: بتخفيف الصاد من التصديق بمعنى أنهم صدقوا الله وامتثلوا أمره فأقرضوا الله قرضا حسنا

فالصدقة علامة التصديق في الإيمان فسبحان الله كم في القرآن من إعجاز.

ومع أن الآيات نزلت في مكة بحسب قول ابن مسعود، وإن كان أنكر ذلك بعضهم وقال بأن الآيات مدنية وليس ببعيد، فإن الهتاف الذي فيها يظل واردا داويا مستمر المدى موجها إلى جميع المسلمين في كل ظرف ومكان كلّما انحرفوا أو انحرفت منهم فئة عن كتاب الله وسنّة رسوله. مذكرا إياهم بما فيهما من المثال الذي يشاهدونه من أهل الكتاب الذين ظلوا منحرفين عن رسالات رسلهم وكتب الله المنزلة عليهم. مهيبا بهم ألا يكونوا مثلهم لئلا تفسدقلوبهم وأن يخشعوا لذكر الله وما أنزل الله على رسوله من الحق وما صدر عن رسول الله من الحكمة ليكون في ذلك هدى لهم إلى سبيل الخير

  • Created on .